كتابة السيرة

خليل قنديل

ما من أُمة استطاعت ان تجترح ما سمي مذهب «الباطنية»، الذي يقوم أساساً على مبدأ الإخفاء، وطمس وجهة النظر الحقيقية في باطن الروح، مثل أمتنا العربية. إلى الدرجة التي يُمكن فيها القول إن هذا النهج الباطني قد تحول بفعل تراكم سماكاته التاريخية في كل مفاصلنا التاريخية الى ما يُشبه القنبلة الانشطارية، التي توزعت بشظاياها إلى محافلنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة، وأصبحت حالة تميزنا في أغلب مسلكياتنا الحياتية والاجتماعية.

لكن المُدهش ليس التمدد الأميبي لمثل هذا التقمص الباطني في حياة أفراد المجتمع العربي فقط، بل في أن هذه الخاصية قد استطاعت أن تتشكل وتتصلب في تشكيلها في أخصب المناطق الروحية التي تتطلب، في ألف بائها الحرية والجرأة على البوح.

إنّ هذه المنطقة الروحية الخصبة هي منطقة الأدب، ذلك أن الأدب هو في الأساس حالة نارية لاذعة تعمل على قدح المخيلة، وإشعال شراراتها، وإنهاض المكبوت وتحبيره في أبهى صور القراءة والنطق.

ومن يقرأ الأدب الغربي ويتصفح جرأة البوح العميق، في ما يخص أدب السيرة الذاتية، كمثال قاطع على التدفق في البوح والاعترافات، يُدهش لهذه الجرأة التي يتمتع بها المبدع الغربي وهو يكتب عن أدق خصوصياته وأمراضه النفسية وتعلاته الروحية.

ومن يقرأ هنري ميللر وصعلكته الحياتية التي استطاع فيها أن يحول كتابة سيرته الذاتية الى روايات مهمّة، يُدهش من هذا التدفق العفوي لهذا الكاتب. ومن يقرأ الكتاب الذي صدر حديثاً بالعربية في محاورات جان إيرياس مع الروائي باولو كويلهو، والتي حملت عنوان «بالو كويلهو» لا بد وأن يُدهش من عفوية هذا الروائي وهو يتحدث بإطناب عن عقده العائلية مع أمه ومع المدرسة ومع المصح العقلية التي قضى فيه فترة طويلة.

ويُدهش أيضا من يقر تصريحات الروائية النمساوية الفريدة يلينك، عن روايتها «عازفة البيانو»، والتي أهلتها للفوز بجائزة نوبل، وكيف أن كتابة هذه الرواية قد حررتها من تسلط أمها عليها، وأن هذه الرواية قد عالجتها من حالة اكتئاب خطرة كانت تتعرض لها.

ولابد للدهشة العربية الباطنية أن تُدهش أيضاً وهي تقرأ السيرة الذاتية التي كتبها الفرنسي جان جينيه في كتابه المطول عن سيرته الذاتية والذي حمل عنوان «أسير عاشق».

وحين نذهب لأدب السيرة الذاتية عربياً فإننا باستثناء ما كتبه الروائي المغربي محمد شكري في روايته ذائعة الصيت «الخبز الحافي»، التي صور فيها بؤس طفولته وحياته العائلية. لن نجد ما يوازي هذه السيرة من جرأة في البوح.

فقد ظلّ الأدب العربي في مناهجه التعليمية والأدبية يسوق لنا ما خطه عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه «الأيام» على اعتبار أنه النموذج الأبهى لكتابة السيرة الذاتية. لكن أيام طه حسين هي أيام أنيقة ومنشأة ولا يخالطها الختل الروحي، بل نلحظ أن طه حسين كان قد كتبها بضمير الغائب الذي يعني في الأصل ضمير الأنا.

لقد ظلّ المُبدع العربي ومنذ أيام طه حسين يحاذر من الاقتراب من الإقدام على كتابة سيرته الذاتية بسبب ارتباطه المُزمن بالباطنية التي تكلست فوق روحه. وجعلته يذهب إلى كارثة إسقاط تجاربه الذاتية على أبطال رواياته، حيث يُمكن للبطل أن يكون أكثر جرأة على البوح والنطق، وتلكم هي الكارثة!!

khaleilq@yahoo.com

 

طباعة