من المجالس

عادل محمد الراشد

أطفال غزة هم عنوان المستقبل لثقافة «السلام الإسرائيلي»، مستقبل توقف قبل أن يبدأ، وتعطلت ساعة زمانه قبل أن تدور عقاربها. فلايزال المستقبل برعماً يطلب السقيا، فإذا بآلة «السلام» تسقيه دماً، وتشبعه ألماً، وتحيله إلى عدم.

إنه المستقبل الذي قالوا عندما وقعوا الاتفاقيات إنه الأمل في الحياة، والحياة بالأمل، ولبنة بناء المستقبل. ولذلك اختارت ثقافة السلام «الإسرائيلية» هؤلاء الأطفال ليكونوا وقود صناعة المستقبل الذي تريده، فقدمتهم قرابين لطقوسها الشيطانية، وجعلت جماجمهم جسر العبور إلى مستقبل السلام المنشود، وسقت ساديتها بدمائهم، وشربت من دموع أمهاتهم حتى الثمالة.

والعالم من حولها يتفرج، يحاول محاكاة هذا التميز الصهيوني في فن صناعة السلام سيراً على جثث الأطفال، وولوغاً في دمائهم، وربما تعثراً ببقايا أشلائهم. العالم.. الحر، ونصف الحر، وحتى غير الحر، لايرى في ما يحدث لأطفال غزة جريمة، ولا يشاهد في غزة ما يستدعي الاعتقاد بوجود أزمة إنسانية، ولا يعتقد بأن القتلة هم المذنبون، ويشير إلى الضحية بأنه صاحب الذنب لأنه ضرب برأسه «الرصاص المسكوب»، وصدم بجسده الصغير النحيل صواريخ «جيش الدفاع» الاسرائيلي، ثم خرّ صريعاً قرباناً لمستقبل غير منظور.

أطفال غزة شهود عيان، صوّرت عدسات عيونهم التي لم يغمضها الموت أحداث الجريمة، وصاغ ما سال من دمائهم قصة الشراكة الدولية في صناعة المستقبل الأسود، وحفظت ذاكرة من بقي منهم على قيد الحياة فصول أحداث هذه القصة. فسيكبرون، وتكبر معهم الصور والمشاهد، وستتكون عندها رؤيتهم لمعنى المستقبل ومفهوم السلام. عندها سيعود العالم، المائل ميزانه، إلى البحث عن وسيلة يطفئ بها ذلك الغضب الذي غرست نبته مظالم «ثقافة السلام» المهزومة، فلا يجد غير ثقافة «محاربة الإرهاب» ليدور الدولاب من جديد برصاص آخر مسكوب، وقنابل أخرى محرمة، ومظالم تتبع سابقاتها. فذلك هو المستقبل الذي نعاه أطفال حي الزيتون قبل أن تنعاهم الإنسانية الضائعة في الضمير الإنساني.

adel.malrashed@gmail.com

طباعة