حديث المال

    سامي الريامي

    تغييرات كثيرة جداً طرأت على مستجدات الحياة الاجتماعية، جميعها وللأسف يصب في خانة التنازل عن الكثير من العادات والطبائع والتقاليد العربية الاجتماعية، التي كانت توصف يوماً بأنها «متأصلة الجذور».

    وتيرة الحياة السريعة جعلتنا نفقد أهم ما كان يميزنا عن الغرب، فقدنا التواصل الاجتماعي، ليس مع الأصدقاء وزملاء العمل، بل مع الأقارب والأهل والجيران. في أحيان كثيرة أصبحت الروابط التي تجمع الوالد بأولاده، وربما بزوجته، وأبيه وأمه، لا تتعدى مكالمة أو مكالمتين هاتفيتين في اليوم، وباقي ما تبقى هو عبارة عن جفوة لا يكسر حدتها إلا يوم الجمعة، وأحياناً يتلاشى أيضاً تأثير هذا اليوم في ظل اللهاث الحثيث وراء العمل والمال والأسهم والعقار!

    جرّتنا المادة إلى غياهب ومناحٍ جديدة للحياة، الجميع يلهث، والجميع يحرق الساعات تلو الساعات من أجل صفقة، أو قطعة أرض، أو بيع أسهم، أو التفكير في مشروع جديد. تحول أفراد المجتمع إلى ما يشبه «الرجال الآليين»، وربما النساء أيضاً، تلك«الروبوتات» التي تتحرك بـ «الريموت كنترول»، والمال أصبح ذلك «الريموت» الذي يحرك الجميع!

    حديث المال كان مسيطراً في العام الماضي على كل لقاء يجمع طرفين أو أكثر، أخبار السوق والعقار هي الشغل الشاغل لمعظم أفراد المجتمع، ومن الواضح أن الاتجاه سيتغير الآن إلى تبعات الأزمة المالية الاقتصادية، ومستجداتها وكيفية الخروج بأقل الخسائر الممكنة.

    تحولت قلوب كثيرة إلى ما يشبه الحجارة، لا عواطف، ولا مشاعر، ولا حياة اجتماعية، وتوجهت العقول إلى شيء واحد أصبح هو السلوان، وهو الأهل والولد، بقربه الراحة والطمأنينة، ومفارقته نار وعذاب، إذا لاح ابتهج القلب، وعم السرور، وإذا ابتعد تبعه الكثيرون حباً في بقائه، وطلباً له، وللمزيد منه.. إنه المال ومن ثم المال!

    لم نكن نملكه، وكنا هانئين، كانت البيوت صغيرة، لكن القلوب فسيحة، لم تكن هناك «فلل»، وأشكال وألوان من التصميمات، لكن كان هناك «الفريج»، كان هناك الجيران، والأقران، كان هناك شيء يعرف بـ«حياة اجتماعية»!

    وعلى الرغم من هدوء الأعمال قليلاً بسبب مستجدات الساحة الاقتصادية، إلا أنه من الواضح أن الأمور لن تسير في مصلحة الحياة الاجتماعية الأكثر التصاقاً بالعائلة و«الفريج»، بل إن انعكاسات الأزمة ستكون أكثر تأثيراً على ما يبدو، فالأمزجة متوترة، والحالة النفسية ليست على ما يرام، والفكر مشغول بأسعار الأسهم والعقار، وحساب الخسائر والأرباح بشكل يومي، والصحة العامة لعدد كبير من الأصحاء السابقين أصبحت ليست على ما يرام بين ليلة وضحاها.

    كل ذلك بسبب المال، وجوده أزمة، وغيابه أزمة، كثرته مصيبة، وقلته مصيبة أكبر، والضحية الوحيدة في هذه التغيرات كلها هو الإنسان وعائلته الصغيرة!

     

    reyami@emaratalyoum.com

     

    طباعة