شهيّة الكتابة الممنوعة

خليل قنديل

لم تعد الكتابة الإبداعية بريئة، ولم تعد تمتلك تلك النيًة الطفولية في التولد والتخلق، بل صارت تخضع لنوايا مسبقة من المبدع ذاته الذي تسلعن هو الآخر، وصار يبحث عن التسويق المغامر بغض النظر عن شرط الكتابة المعافاة التي لا تنتظر حمى تسويق الرائج كتابياً كي تحدث.

والخطأ الذي وصف بالبيروقراطي الذي ارتكبته السلطات الايرانية في نشر رواية الكاتب الكولومبي غارسيا ماركيز، الموسومة بـ«ذكريات عاهراتي الحزينات»، ثم قامت بحظره بعد ثلاثة اسابيع من نشره أدى الى طباعة الرواية في السوق السوداء طبعات سرية بأسعار مبالغ فيها، وبأضعاف من الأعداد التي طبعت.

وبغض النظر عن اقتباس ماركيز الرواية عن رواية الياباني كاباواتا «الجميلات النائمات»، فيما يُشبه إعادة التسويد والكتابة، إلا أن شهية الممنوع عند القارئ لا تتوقف عند حد، لا بل تذهب إلى أبعد من ذلك، حين تتحول شهية الممنوع هذا إلى دافع كتابي عند المُبدع ذاته، هذا المبدع الذي بدأ يكف عن إنهاض مخياله الكتابي العفوي والطبيعي، وصار يذهب إلى مناطق ممنوعة اجتماعيا، أو هكذا تبدو، ومن ثم يبدأ التحليق في مناخاتها والكتابة منها.

نعم تحولت المجسات الكتابية العربية في منطقة الممنوع والمحظور إلى ديدن يثير شهية الشهرة والانتشار عند العديد من المبدعين العرب، وصار كشف العورة الجسدية وعقدة هذه العورات من الضرورات التي يلح عليها سوق الكتاب وربما الناشر. وصارت الكتابة العربية تذهب بنية مُتعمدة إلى القناعات الدينية الثابتة كي تعريها بالقصيدة والرواية، مثلما صارت تذهب نحو الأعراف الاجتماعية السائدة، وتحاول تدميرها من خلال مثل هذه الكتابات. والنتيجة هي اليقظة المتأخرة لدوائر المنع والرقابة في العواصم العربية، ومن ثم المحاكمات والبيانات التي يصدرها الكتاب تحالفاً مع هذا الكاتب أو ذاك، لكن الأهم من ذلك كله هو هيمنة مثل هذه الكتب بحضورها الطاغي في معارض الكتب التي تقام في العواصم العربية سنوياً.

وبناء عليه، صار الكاتب الشاب الذي مازال يتلمس روحه الخداج في الكتابة والتحبير يذهب في كتابه الأول نحو تفجير ضجته في الممنوع والمحظور، كي يختصر مسافات حضوره في الساحة الإبداعية العربية بأقصر الطرق، ذلك أن جرأة غير متوقعة في قصيدة أو رواية تمس الراسخ واليقيني عند الناس سوف تجعله يقطف شهرته الكتابية بأقصر السُبل.

إنّ المبدع النيئ الذي يذهب في وقت مبكر باتجاه مثل هذه النوايا، يخسر أول ما يخسر كتابته الحقيقية القادرة على الحفر العظيم في مجرى الحياة الإنسانية، واستلال الكتابة النادرة من تعاريجها واختباءاتها.

وإذا كان علينا أن نفكر بالجرأة الكتابية في خدش الممنوع وتجريحه فلنتذكر الكاتب الفرنسي فلوبير، في رائعته «مدام بوفاري»، أو لنتذكر الإنجليزي د.هـ. لورانس، في رائعته الفضائحية «عشيق الليدي تشارتلي»، ولنتذكر الثمن الذي دفعه مثل هؤلاء الكتاب في المحاكم والإدانات الاجتماعية، لكن علينا وقبل كل هذا، أن نتذكر أن نواياهم الكتابية التي أنتجت مثل هذه الكتابة لم تكن تتعمد النشر والتسويق والشهرة السريعة، بل إن نيتهم الكتابية حدثت بسبب لذعة الكتابة الجمرية الموجعة.

khaleilq@yahoo.com

طباعة