صور الموت في غزة

قيس الزبيدي

سألت نفسي، وأنا أقرأ في كتاب، السؤال التالي: ماذا شاهدنا في يوم 11 سبتمبر، لم تقدم لنا التغطية التلفزيونية لأحداث سبتمبر أية صور بصرية تصادق على الرعب الحاصل، كل ما رأيناه طائرتان ترتطمان بمركز التجارة العالمي ورأينا البرجين ينهاران. ورأينا سحباً هائلة من الدخان وكوماً من الأنقاض وأبنية مكسوة بالغبار والرماد وبشرا يركضون خائفين. أما الرعب الحقيقي، فلم تطله الصور! ومع هذا فقد شكّل مركز التجارة العالمي ما يمكن أن يعد ضرباً من الإفراط، إفراط الثقافة الرأسمالية التي بنته، وإثم الإفراط الذي يفرّج ويعاد تفريجه لنعود ونرى الصرحين ينهاران، ونرى كل مرة كيف يستعيد البرجان بناءيهما بالكامل. يا له من سحر! (راجع السينما والتلفزيون بعد 11/9 تحرير: ويلر وينستون ديكسونز ترجمة: ثائر ديب. مهرجان أبوظبي 2008).

كل شيء تغير منذ أن هاجم «الإرهاب» نيويورك وواشنطن ولم يبق أي شيء على حاله! لقد وحد هذا اليوم من سبتمبر الأمة،، وجمعها في رغبة واحدة: معاقبة المعتدي! وسرعان ما ظهرت آلاف الأعلام الأميركية في الشوارع وعلى النوافذ والمخازن والسيارات وأخذت شبكات التلفزيون تعلن في برامجها تحول من «أميركا تتعرض للهجوم» إلى «أميركا تنهض لحرب» على إرهاب مبهم!

إن لدى البشر فضولاً مفهوماً حيال مأساة تلك الأحداث التي لم تتح لهم وسائل الإعلام الأساسية، سوى فرصة ضئيلة لرؤيتها، أما الناس الذين رأيناهم يقفزون من النوافذ أو الناس الذين ماتوا في الداخل حرقاً ولم نرهم، ألا يدفعنا ذلك إلى التساؤل: ما الذي شعر به أولئك الذين قفزوا من المبنيين؟ ما الذي يحصل إذا ما خنق الإنسان حتى الموت؟ وما الذي يحصل حينما يًحرق الإنسان حياً؟ أما الناس الذين ماتوا في الداخل، فما الذي حصل لهم؟ وماذا كان يدور في أذهانهم؟ وكيف تصرفوا؟

لقد دخلت صور سبتمبر معجم التاريخ الأيقوني، ومن المؤكد أن ما من كارثة في التاريخ نالت مثل هذا التوثيق، لكن ما الذي تم فعله بهذه الصور وكيف تم التعامل مع هذه الصور؟ أعاد الإعلام سرد حوادث ١١ سبتمبر بصيغه المكررة، وقاد إلى إنتاج نوع من «إسقاط الإرهاب الدفاعي»، ترافق مع انقلاب سياسي، تمثل في تحول الرئاسة الأميركية إلى رئاسة إمبراطورية، يتمتع رئيسها بسلطة قائد شعبي وحربي، يغزو الدول كلما شاء وكيفما شاء! رئيس هدفه مقارعة الإرهاب. عقب شمعون بيريز على ما سميّ ظاهرة الإرهاب، بأن إسرائيل لم تعد وحدها هدفاً له! والآن وغزة تحت القصف المتواصل، لا يرى العالم فيها صور المحرقة الفلسطينية، إنما يرى فيها الإرهاب، الذي يهدد أمن وحياة مواطني إسرائيل!

صور كارثة البرجين اليسيرة وحدت أميركا، وصور كارثة غزة الغزيرة لم تمزق وحدة الفلسطينيين فقط، إنما مزقت، حتى، وحدة العرب الشكلية ودفعت بخلافاتهم إلى أبعد حد! أما نحن الذين نشاهد في كل ساعة دمار غزة وموت شعبها؟ ألا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي سيفعله «العرب» بكل صور الموت هذه؟

 

alzubaidi@surfeu.de  

طباعة