تخدعنا اللغة

ياسر الأحمد

حين يسألنا أحد عن مريض عزيز فقد يحدث أن نخبره بأنه «بعافية شوي»، مع أن الواقع أنه أبعد ما يكون عن العافية، يرجع هذا لاعتقادنا بأن اللغة تملك قوة سحرية، خصوصاً وأننا نستطيع أن نطوعها لتحقيق أهداف على أرض الواقع فعلياً. فبمجرد أنْ نصِفَ المريض بأنه «بعافية»، أو الملدوغ «بالسليم» فإن المرض أو الضرر سيزول، وتحلّ الكلمة المشكلة، ويمكن ملاحظة هذا الاعتقاد في استخدام التمائم والرقى والتعاويذ عند مختلف الشعوب.

قد تبدو المشكلة ذات طبيعة لغوية بحتة فقط، لكن الأمر أعمق من ذلك، ويمتد بجذوره إلى بدايات تكوّن الفكر الإنساني. وبعد محاولة التحليل نجد أننا أمام مشكلة مختلطة، وتتعدى الزخرف اللغوي إلى مكبوتات تحملها اللغة عبر فضاء تعبيري، ثم تحوله إلى سلوك معادٍ للإنسان، نلاحظ في البداية أننا أمام مجموعتين مختلفتين من المفاهيم تنتميان إلى إطار مختلف أيضاً.

فهناك تعابير مثل «تقديس الحرية» على سبيل المثال. ولو جربنا تحليل هذا المصطلح لوجدنا أنفسنا أمام مشكلة الجمع بين مفهومين مختلفين إلى حد ما.

فالتقديس فضاء تعبدي نصلي فيه لمقدساتنا، منتظرين أن تمنحنا الراحة والنور. بينما ينتمي مفهوم الحرية إلى عصر الإنسان أكثر، ويستند هذا المفهوم إلى تراث فكري لا يقيم وزناً كبيراً لما وراء الحضور البشري، ويقدم الإنسان كحل وحيد لمشكلات البشرية الفكرية، وبالتالي فالإنسان هو المسؤول عن أعماله، وحريته هي نتيجة تلك المسؤولية. والجمع بين المفهومين في دمج لغوي لن يحل الصراع بينهما، لكنه قد يهجنه سلباً أو إيجاباً. فقد نأخذ من التقديس جزئية الولاء، ونأخذ من الحرية جزئية تفضيل الإنسان على من سواه من موجودات الكون.

فسوء الفهم والالتباس ليسا حدثاً طارئاً على اللغة، بل هما صفة ملازمة للمتكلم؛ لأن «الدوال» التي نستخدمها لم تولد في ذاتنا، بل جاءت من خارجنا، وتعرضت لتراكمات كبيرة من المنع والإباحة.

بذلك اللغة ليست عرضاً واضحاً للأشياء، والمدلول يبقى دائماً غيمة قد تمطر وقد تمر سراعاً. وهنا تبرز المشكلة عندما نأخذ مفردة تحمل أكثر من معنى ونلصقها بمفردة أخرى تحمل دلالات معاكسة، لنؤسس لفكرة ثالثة. وهذا ما يقودنا إلى ما يسمى بـ«هجرة المصطلح»، فقد يحدث أن يقوم مفكر ما بأخذ مصطلح من حقل علمي ما، لينقله إلى حقل آخر مختلف. كما حدث مثلاً عندما نقلت مصطلحات «الوظيفة، الاندماج، التطور» من حقل البيولوجيا إلى حقل علم الاجتماع مثلاً. أو عندما جرى ترحيل مصطلحات اقتصادية مثل «الرأسمال، الإنتاج، الملكية» إلى الحقل السياسي لتأسيس علم الاقتصاد السياسي. بل ويحدث أن نستخدم مفردة طبية في النقد الأدبي، كتشريح النص مثلاً.

وهذا ما تحدث عنه إدوارد سعيد «حول انتقال المفهوم من مجال معرفي إلى آخر، والمسافات التأويلية التي يحملها في عمقه، سواء عن وعي أو من دون وعي ناقله». وبالنتيجة تبقى اللغة مجالنا الخصب لسوء الفهم اللذيذ، وعقدنا الوحيد الذي وقعنا عليه من دون أن نقرأ تفاصيله، مطمئنين رغم ذلك كل الطمأنينة.
طباعة