الأزمة المالية وتمويل الثقافة

أحمد السلامي

بدأت تجليات الأزمة المالية التي اجتاحت بنوك العالم تلقي بظلالها على أصعدة مختلفة، كما بدأت التوقعات المستقبلية لآثار هذه الأزمة تتكشف من خلال تصريحات إعلامية متفرقة تشير إلى انعكاسها على مستوى تمويل المنظمات والمؤسسات الدولية والحكومية الناشطة في الحقول الثقافية والتعليمية والاجتماعية.

فقبل يومين اختتمت في جنيف فعاليات المؤتمر الثامن والأربعين للتربية، ولم يخف المؤتمرون قلقهم تجاه احتمال انكماش تمويل مشروعات التعليم في الدول النامية، وقبل ذلك حذّر خبراء الاقتصاد من مخاطر نقص السيولة على تمويل صناديق الدعم والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة بتفرعاتها واختصاصاتها المتعددة.

وقبل أسبوع التقيت في البحرين بالناشطة الفلسطينية سيرين حليلة التي تشرف على إدارة مجموعة من المبادرات الثقافية والاجتماعية المتصلة بفئة الشباب عبر مؤسسة الملتقى التربوي العربي في عمّان، وحول الموضوع ذاته تقول حليلة إن مؤسسات المجتمع المدني في المنطقة العربية ستواجه خلال السنوات المقبلة صعوبات جديدة في الحصول على منح مالية من مؤسسات التمويل الدولية، وذلك لأن الجهات الممولة تعتمد في دعمها لمشروعات المؤسسات الأهلية على الأرباح التي تجنيها سنوياً من سوق الأسهم عبر توظيف مدخراتها، وكشفت حليلة أن مؤسستها بدأت منذ الآن في البحث عن بدائل جديدة لتمويل مشروعات الملتقى التربوي، ومن بين البدائل المطروحة الاتجاه نحو القطاع الخاص في المجتمعات المحلية ونظام الاشتراكات والتبرعات.

ما يمكن استنتاجه من هذه الأصداء هو أن معظم المؤسسات والجمعيات الأهلية في العالم العربي تعتمد على التمويل الغربي، بما له من اشتراطات وأولويات، وأخيراً بما له من أزمات.

وفي ظل هذا الظرف الدولي المفاجئ يبدو أن البلدان العربية ستكتشف أنها مضطرة للبحث عن حلول متأخرة تضمن تحرير كيانات المجتمع المدني من الارتهان لأزمات المانحين.

وفي ما يخص الشأن الثقافي تحديداً، لفت انتباهي تصريح لمدير المركز الثقافي الفرنسي بصنعاء عقب افتتاحه لمعرض تشكيلي يرعاه المركز في ختام فعالياته للعام الجاري، إذ ألمح الدبلوماسي الفرنسي إلى أن حجم تمويل الأنشطة الثقافية في العام المقبل قد يتأثر بالأزمة المالية العالمية، الأمر الذي سيحدّ من فاعلية المراكز الثقافية الفرنسية المنتشرة على نطاق واسع في بعض العواصم العربية والإفريقية.

من المؤسف أن القارئ لن يجد مثل هذا التصريح القلق على لسان وزير ثقافة عربي، ومن المؤسف أيضاً أن صناعة الثقافة في بلداننا لا تهتم بالأزمات الجديدة؛ لانها تعيش أزمتها القديمة منذ زمن طويل.

ومعروف أن فرنسا تولي الثقافة ومراكز التعليم التابعة لها عناية خاصة، كما أن النشاط الثقافي في فرنسا بصورة عامة يعتمد في الغالب على فرق ومؤسسات أهلية تتلقى دعماً حكومياً لتسيير أنشطتها.

طباعة