آراء

فلنبدأ من الصغر!

ترافق اللحظات الأولى لولادة الطفل فرحة لا يضاهيها أي شيء من قبل أفراد الأسرة، ويحرص الوالدان منذ المراحل الأولى على احتياجات مولودهم الجديد بكل ما يلزمه من مأكل ومشرب وملبس، وبسبب عوامل كثيرة قد يغفل الآباء - دون قصد التقصير منهم - تلبية بعض الاحتياجات الأساسية للنمو الصحي للطفل في مرحلة الطفولة المبكرة كالاحتياجات النفسية والعاطفية.

لكن ما مرحلة الطفولة المبكرة؟ وهل تعتبر مرحلة مهمة في حياة الطفل؟ وما المعلومات التي يجب أن يدركها الوالدان في هذه المرحلة الزمنية؟ وماذا عن الاستثمار في هذه المرحلة، هل يسهم في صقل شخصية الطفل المستقبلية ووقايته بعض السلوكيات السلبية خلال المراهقة؟

تمتد مرحلة الطفولة المبكرة، منذ الحمل وحتى سن الثامنة، حيث تعتبر من أهم مراحل نمو الطفل وتطور قدراته، إذ تشهد تطوراً سريعاً في نمو الدماغ، كما أشار مركز نمو الطفل التابع لجامعة هارفارد إلى سرعة الروابط التي تتشكل في الدماغ بالسنوات الأولى من حياة الطفل، وتفوق أكثر من مليون رابطة في الثانية، وتتأثر هذه الروابط والوصلات العصبية بعوامل عدة كالجينات والخبرات التي يعيشها الطفل مع والديه والبيئة المحيطة به، من خلال اللعب والاهتمام والتواصل بأشكاله المختلفة.

وأظهرت نتائج مجموعة واسعة من الأبحاث والدراسات، أهمية مرحلة الطفولة المبكرة في تكوين شخصية الطفل، وإكسابه المهارات الاجتماعية التي تساعده على التكيف مع مختلف التغيرات المستقبلية. كما أوضحت أن الآثار الناجمة عن الإخفاق في تلبية احتياجات الطفل في هذه المرحلة، قد تمتد لفترات طويلة أو طيلة الحياة، إذا لم تتم معالجتها من قبل المختصين بمجال رعاية الطفل، فعلى سبيل المثال عزا الكثير من الدراسات انحراف المراهقين وانخراطهم في السلوكيات الخطرة، مثل: العنف وتعاطي المواد المخدرة في سن مبكرة والتنمر؛ بسبب الإخفاق في التنشئة، وعدم الاكتراث بتلبية الاحتياجات المتنوعة للطفل، مثل الجوانب العاطفية.

ومن هذا المنطلق، باشرت العديد من الحكومات الاستثمار في مرحلة الطفولة المبكرة، فمقابل كل دولار يصرف لتنمية الطفولة المبكرة، قد يبلغ العائد ما يقارب 13 دولاراً، ويسهم في تمكين الأسرة من لعب دورها الفعال في المجتمع، لهذا لابد من تطوير وتفعيل السياسات والبرامج الصديقة للأسرة.

وعبر هذا المنبر، قد يتساءل البعض: هل من الممكن أن يتسبب الجهل بخصائص الطفولة المبكرة واحتياجاتها وتأثيرها الممتد لما بعد المراهقة ومرحلة الشباب في الإخفاق في استثمار الوالدين لهذه المرحلة؟ أم أن محدودية البرامج والسياسات التي تعطي للوالدين مساحة كافية لتهيئة البيئة المفعمة بالحب والدفء والاستقرار بعيداً عن ضغوط العمل هي مسبب آخر لعدم إعطاء هذه المرحلة المهمة حقها في التربية والتنشئة؟

مدير إدارة الأسرة والطفل في دائرة تنمية المجتمع

طباعة