سيارات احترقت بأصحابها.. وشباب يرفضون التخلي عن هوسهم رغم الحوادث

«المركبات المزوّدة».. توابـيت متحركة بوقود طائرات

صورة

لم يتخيل «علي أحمد» أن المركبة التي أنفق كل مدخراته بل اقترض من البنك ومن أهله لتعديلها كلياً من خلال تزويدها بقطع جوهرية، أن تتحول إلى وسيلة قاتلة كادت تقضي على حياته، بعد احتراقها وهو داخلها نتيجة خلل بالموتور، إذ دخل علي في غيبوبة طويلة استمرت أسابيع عدة بالمستشفى، وسط حالة من الحزن والقلق، والندم من جانب أسرته التي لم تفكر في عواقب دعمها وتشجيعها له، سواء بمنحه آلاف الدراهم لتزويد سيارته، أو بالتغاضي عما يقوم به، وكأنها وسيلة ترفيه أخرى ترضي هوس واندفاع الشاب العشريني.

200

ألف درهم كلفة تزويد مركبة احترقت في طلعتها الأولى، وتسببت في إعاقة صاحبها.

2000

شكوى تلقتها شرطة دبي خلال العام الجاري، بسبب مركبات مزودة.

42

حالة وفاة نتيجة السرعة والتهور في دبي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

 

وكلفة تزويد مركبة علي التي وصلت إلى قرابة 200 ألف درهم لم تكن كافية لتأمين اشتراطات الأمن والسلامة التي يفترض أن تتوافر في ظل هذه الكلفة الخيالية، بل إنها زادت من حجم المخاطر وحولت السيارة إلى تابوت متحرك.

مدير الإدارة العامة للمرور بشرطة دبي العميد سيف مهير المزروعي، يقول لـ«الإمارات اليوم»: «كثير من الكراجات التي تنفذ عمليات تزويد المركبات لا يهمها سوى الربح المادي بغض النظر عن عواقب هذا التزويد، ولا يمكن أن نتخيل حجم المكاسب الخيالية التي تحققها بعض الكراجات من التزويد غير الشرعي للمركبات»، مؤكداً أنها تجارة بالأرواح باستغلال هوس الشباب بهذه الهوايات القاتلة.

«الإمارات اليوم» أجرت تحقيقاً استقصائياً عن قضية تزويد المركبات في ظل تكرار الحوادث القاتلة، فضلاً عن أنها تعد كابوساً مستمراً لسكان مناطق بعينها قريبة من البر أو حتى بعيدة عنه، لكن يهوى الشباب الاستعراض فيها بمركباتهم المنتفخة بشكل مبالغ فيها ذات الهدير المخيف.

تزويد المركبات وفق خبراء وشباب التقت بهم «الإمارات اليوم» يبدأ من إدخال تعديلات طفيفة تكلف نحو 3000 درهم، إلى تعديلات جوهرية في المحرك وهيكل السيارة ومقاعدها، تصل إلى حد استخدام وقود طائرات وسلندرات غاز لإعطاء قوة رهيبة للسيارة تتجاوز قيمتها مئات الآلاف من الدراهم، ويستخدم النوع الثاني من المركبات المزودة عادة في سباقات بعضها غير شرعي ويتسم بخطورة بالغة.

القضية ملتبسة ومعقدة لدرجة كبيرة، بالنظر إلى الأعداد المخيفة للمركبات المزودة بشكل غير قانوني في الإمارات، والتي قدرتها هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس بالآلاف، فيما حررت إدارات المرور في الدولة عشرات الآلاف من المخالفات لمركبات تعرضت لتغييرات في المحرك والقاعدة والهيكل.

وبالنظر كذلك إلى تباين آراء الأطراف ذوي العلاقة بمسألة التزويد، فهيئة المواصفات وضعت لائحة للمسموح والممنوع، حتى تتيح المجال لأصحاب هذه الهوايات بممارستها بطريقة آمنة، بعد أن شهدت تفهماً من جانب البعض الذي اقتنع بأن المركبات المزودة والمعدلة دون ضوابط تشكل جزءاً من تحديات الأمان والسلامة، سواء للأفراد أو الممتلكات العامة والخاصة.

وأجهزة الشرطة تستخدم العصا والجزرة، بمخالفة المتهورين الذي يصرون على كسر القوانين والذهاب بعيداً في مسألة التزويد بطريقة تعرض حياتهم وسلامة غيرهم للخطر، أو بتحفيز المتعاونين.

أما أصحاب الشأن وهم الشباب هواة التزويد، فانقسموا بشكل لافت خلال حديثهم الصريح مع «الإمارات اليوم»، ففئة منهم غير مقتنعة إطلاقاً بحصر الاستعراض بمركباتهم المزودة في الحلبات المخصصة لذلك في إمارات أم القيوين ودبي وأبوظبي، ويريدون تخصيص طرق عامة لممارسة تلك الهواية وسط أجواء حماسية متأثرين بأفلام سينمائية شهيرة أبرزها على الإطلاق «fast and furious»، وفئة أخرى ترى أنها تلتزم بتصاريح الجهات الرسمية المرتبطة بالتزويد، لكن تصطدم بازداوجية مزعجة، وهي عدم توحيد معايير تنفيذ القانون ما بين إمارة وأخرى، ففيما تسمح الشرطة في دبي وأبوظبي مثلاً بالتصاريح المطابقة للائحة هيئة المواصفات، تخالفهم عليها أجهزة شرطة أخرى.


نبدأ التحقيق بفئة الشباب باعتبارهم سبب المشكلة وربما حلها كذلك، وبالرجوع إلى علي أحمد الذي يعاني إعاقة دائمة بحسب فريقه الطبي، نتيجة تدهور مركبته المزودة واحتراقها به، يقول لـ«الإمارات اليوم»: «لو عاد بي الزمن فلن أفعل ذلك، فمازلت أتذكر حماسي وأنا أفكر في كل قطعة سأضيفها للسيارة، كنت شغوفاً حد الجنون، ولدي رغبة في التفوق على أقراني، وقيادة مركبة مبهرة».

- آلاف السيارات بمحركات معدلة في الهيكل والقاعدة.

- شباب: التزويد متعتنا.. ونطالب بشارع خاص لهوايتنا.

- شرطة دبي تضبط 11 ألف سيارة مزودة خلال 3 سنوات.

ويضيف: «زودتها كلياً، فأدخلت تغييرات على المحرك والقاعدة وهيكل المركبة، حيث أزيلت مقاعدها الخلفية ونزعت منها بعض القطع، خصوصاً من الأبواب، كما تم تغيير غطاء المحرك حتى صارت المركبة خفيفة لزيادة سرعتها، وأضاف الكراج الذي أشرف عليه أجهزة تحكم للتشغيل، حتى أصبحت غير صالحة كلياً للسير على الطرق العامة نتيجة عدم توافر اشتراطات الأمن والسلامة، وهذا ما تحقق على أرض الواقع، إذ لم تتحمل ضغط الحرارة وتعرضت لحريق ثم تدهورت وأنا محشور داخلها».

الشباب المواطنون يمثلون نسبة تتجاوز 97% من المهوّسين بالتزويد، فمن النادر أن تجد شباباً من جنسيات أخرى، نظراً للخسائر الكبرى التي يتحملها مالك السيارة عند ضبطها وحجزها، وعلي ليس الحالة الوحيدة التي تعرضت لحوادث بسبب استخدام مركبات مزودة أو بالجنوح للسرعة والتهور.

وأخيراً، انتشر فيديو لمركبة مزودة تحترق وسائقها داخلها أثناء استعراضه في منطقة الفاية الصحراوية، وكاد يقضي في الحادث لولا تدخل عدد من الشباب الذين تواجدوا بالصدفة في المكان، فهرعوا إليه وأخرجوه من السيارة وهو في حالة يرثى لها.

أسرة الشاب البالغ من العمر 33 عاماً أكدت أن سيارته مزودة بقطع غيار مخصصة للقيادة في المناطق الصحراوية، مشيرة إلى أنه يتمتع باحترافية كبيرة في هذا المجال.

حوادث بليغة

هواة التزويد من الشباب يؤكدون لـ«الإمارات اليوم» أن هوسهم بالسرعة والتزويد والسباقات ليس له حدود، ولا يمكن أن يقلعوا عنها مهما كانت التضحيات، لافتين إلى أن أصدقاء لهم تعرضوا لحوادث بليغة، لكن شغفهم لا يتوقف.

وذكر «خالد» أحد هؤلاء الشباب، في العشرينات من عمره: «سيارتي حجزت أكثر من 10 مرات، وتعرض أصدقائي لحوادث، وأحدهم تعرض لكسر في الحوض، لكنها هوايتي الوحيدة، ولا أستطيع التوقف عن ممارستها».

وطالب بتخصيص طريق مفتوح، واقترح أن يكون شارع «لهباب»، لأنه قليل الكثافة المرورية، للتسابق عليه، لافتاً إلى أنهم يجدون متعة في الطريق أكثر من تلك التي يشعرون بها في الحلبات المخصصة لذلك.

وأضاف أنهم يمارسون هواياتهم عادة بين الساعة الثانية والثالثة صباحاً، حين تقل حركة السير في شوارع بعينها، ويجهز كل منهم سيارته بأحدث المعدات.

وأشار إلى أنه ارتكب حادث صدم مرة واحدة فقط خلال إحدى المنافسات التي شارك بها، لكنه يحرص على اتخاذ تدابير وقائية مثل تأمين سيارته جيداً، والحفاظ على ثباتها أثناء ممارسة هواياته، لافتاً إلى أن مئات الشباب من مختلف الإمارات يمارسون هذه الهوايات.

وأكد خالد أنه يدرك قيام الشرطة بواجبها في حماية وتأمين الطرق، لكنهم لا يجدون متنفساً آخر، معتبراً أن إنشاء طريق مفتوح سيستوعب كل هؤلاء، بل ربما يشجع هواة السرعة من الأجانب على المشاركة، وتكون بتنظيم ورقابة الجهات المختصة.

أما المواطن علي سيف، فيمتلك سيارة من نوع «نيسان باترول» وهي المفضلة لأصحاب هذه الهوايات، بالإضافة إلى أنواع أخرى رباعية الدفع كذلك، ويقول: «نعم زودت مركبتي، لكن لم أفرط في تعديلها، فليس لدي رغبة في استفزاز الشرطة وغيرها من الجهات المختصة، خصوصاً أنه ليس لدي تصريح بذلك»، مشيراً إلى أنه أضاف فلتر ورأس محرك وقطعة أخرى يطلق عليه «دوان بيب» و«دابة»، وما يعرف بالطلقة الأخيرة.

يوضح سيف أن هناك تفاوتاً بين هوس الشباب بالتزويد، فهو ينتمي لفئة تفضل فقط أن تضيف بعض الأجزاء التي تضاعف من صوت المركبة ونسبة من قوتها، لكنه يتجنب التباهي بذلك في المناطق السكنية، حتى لا يسبب إزعاج سكانها، خصوصاً في ظل وجود أطفال ومسنين ومرضى.

ويؤكد أن هناك مخاطر ناتجة عن التزويد، خصوصاً المتعلق بفئة ثانية من الشباب الأصغر سناً والأكثر اندفاعاً، إذ يجنحون إلى تزويد مركباتهم بقطع تكلف مئات الآلاف من الدراهم، وتشمل تعديلات في المحرك وإضافة سلندرات غاز وتغيير في وزن هيكل المركبة، لكنه في النهاية لن يسامح نفسه إذا استخدم سيارة مثل هذه وتسبب في وفاة أسرة على الطريق أو حتى شخص واحد. وقال: «كيف أعيش بعد ذلك إذا تسببت في وفاة أبرياء لا ذنب لهم».

ويوضح أنه من الضروري أن يكون هناك حل وسط، فتضع الجهات المختصة شروطاً مقبولة، تطبقها الشرطة، ويلتزم بها الشباب، دون إفراط في اشتراطات غير منطقية تقابل بنوع من العناد والتحدي من قبل هواة هذا النوع الممارسات.

ويشير إلى أن هناك حلبات مخصصة للاستعراض والسباقات في الدولة، لكن بصراحة يفضل الشباب الاستعراض في شوارع مفتوحة، فهذا يلبي شغفهم ويضيف كثيراً من الإثارة، معرباً عن أمله في أن تخصص بعض الطرق في أوقات معينة لهذه الهوايات، وتتوافر إجراءات أمن وسلامة، على أن تخضع المركبات المشاركة للفحص قبل قيامها بذلك، ويمكن تنظيم ذلك في أيام معينة مثل يومي الخميس والجمعة، وتتاح الفرصة أمام الجمهور للمشاهدة.

يهوى التزويد

فيما يقول «أحمد.ع» إنه يهوى التزويد والسباق والاستعراض، ويجد صعوبة كذلك في نقل سيارته من دبي إلى حلبة «أم القيوين» لما يتكلف ذلك من عناء وعبء مادي، مشيراً إلى أن الهوايات لا تقتصر على الشباب الإماراتيين فقط ولكنهم يتواصلون مع أقرانهم في دول خليجية أخرى، ويشاركون في سباقات بالبحرين والسعودية.

ويضيف أن تخصيص مكان في دبي للسباق والاستعراض سيجتذب أصحاب هذه الهوايات من دول مختلفة، ويقلل من مظاهر الفوضى على الطرق العامة.

وتابع: «نحن ندفع مبالغ كبيرة في المخالفات وبدل الحجز على سياراتنا، لكن تظل هذه هوايتنا المفضلة، ونتمنى أن تدرك الجهات المختصة ذلك وتوفر لنا مكاناً مناسباً لممارستها».

ويشير إلى أن الحلبة الوحيدة التي تصلح لممارسة هواية السباقات والاستعراض هي حلبة «أم القيوين»، لكن يستلزم الأمر نقل المركبة إلى هناك على رافعة نقل السيارات، وسداد رسوم الاستعراض.

تخصيص حلبة

من جهته، يقول مدير الإدارة العامة للمرور العميد سيف مهير المزروعي، إن الإشكالية ليست في تخصيص حلبة أو مضمار لممارسة هذه الهوايات، لأن الحلبات موجودة فعلياً، لكن يفضل غالبية هؤلاء الشباب الاستعراض في الطرق العامة التي لا يمكن أن تتحمل هذه الممارسات، في ظل استخدامها من قبل أسر وأشخاص أبرياء، فضلاً عن اهتمام الدولة بالبنية التحتية وإنفاق مليارات الدراهم عليها.

ويضيف أن التزويد هوس لدى كثير من الشباب لكنه تجارة بالأرواح، وحين تصدت شرطة دبي للسباقات غير الشرعية في الشوارع العامة، اكتشفت أنها تنفذ برعاية كراجات تستخدمها للدعاية حتى تجتذب أكبر عدد من المهوّسين بالتزويد والسرعة، وفي المقابل تجني تلك الكراجات أرباحاً خيالية.

المزروعي يؤكد أن الإدارة العامة للمرور في شرطة دبي لم تغلق الباب في وجه الشباب بل عقدت جلسات معهم حتى تستمع إلى اقتراحاتهم، لكن هناك أفكار صعبة التطبيق، مثل تخصيص شوارع للسباقات بمركبات مزودة وغيرها، فهذه الطرق لا يمكن أن تكون ملكاً لفئة بعينها.

ويشير إلى أنه عاين بنفسه خلال زيارته لمستشفى راشد عشرات الإصابات لشباب في عمر الزهور أصيبوا بشلل أو إعاقات مزمنة، فضلاً عن المتوفين نتيجة حوادث في تلك المركبات التي تحولت إلى توابيت متحركة.

ويقول المزروعي: «ما سبق نتيجة سلبية واحدة لهذه الممارسات، لكن لو فتحنا الباب أمام المتضررين فسنجد شكاوى من المئات الذي يعانون بسبب التزويد والاستعراض، ويكفي الإشارة إلى أن شرطة دبي تلقت خلال العام الجاري فقط أكثر من 2000 شكوى من سكان لم يتحملوا الإزعاج الناتج عن هذه الممارسات، إذ إن ما يرنو إليه هواة التزويد هو إصدار أصوات مخيفة مزعجة بمركباتهم، ولنا أن نتخيل شعور أم تتعب حتى ينام رضيعها وفجأة يستيقظ فزعاً بسبب ضجيج سيارة مزودة، أو حالة شخص مريض بالقلب أو أي مرض آخر، وغيرهما من الفئات التي يلزمها الهدوء».

وقال إنه حسب الإحصاءات، هناك 11 ألف مركبة مزودة ضبطتها شرطة دبي خلال أعوام 2016 و2017 و2018، وهناك 42 حالة وفاة نتيجة السرعة والتهور في دبي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

هوس بالتزويد

يقول سيف علي إنه مثل غيره من آلاف الشباب، يزود سيارته، مؤكداً أنه من النادر أن تجد شاباً لم يعدل في مركبته حتى لو بإضافة فلتر للصوت أو تعديلات بسيطة في الموتور، لافتاً إلى أن كلفة التزويد والمخالفات وبدل الحجز الذي تحمله نتيجة هذه الهواية خلال العام الجاري فقط تجاوزت 50 ألف درهم.

ويضيف أن هذه الهواية تصل إلى درجة الهوس لدى كثير من الشباب، ويجب أن تتفهم الجهات المعنية ذلك، مشيراً إلى أن الدافع الأساسي هو التباهي والاستعراض، خصوصاً بالصوت المهيب للمركبة.

ويؤكد أنه يقدر قيام الشرطة بواجبها، لكن من الصعب أن يتخلى الشباب عن هواياتهم المفضلة، لافتاً إلى أن كثيراً منهم يتعرضون لحوادث بليغة، لكن لا يتوقفون عن هذه الهواية، فكيف تردعهم المخالفات؟!

طباعة