«نانسي» والكساد

 
لم تكن «نانسي» سوى مصرفية في العقد السادس من العمر جاءت من ولاية وايومينغ الأميركية لتنعم بدفء شرقي، عندما التقيتها في الخريف الماضي في أحد مطاعم مدينة دبي.


في ذلك الوقت - إذا تذكرون - كان الموضوع الوحيد الذي يسيطر على أحاديث الاقتصاديين في شتى أرجاء المعمورة هو أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، والتساؤل القلق حول آثار هذه الأزمة في الاقتصاديات العالمية.


وعندما علمت مضيفتي أنني أعمل في مجال ليس ببعيد عن الهموم الاقتصادية بادرتني بالإقرار التالي: أنا أرى بحكم عملي الحالي في شركة للرهن العقاري أن هذه الأزمة لا تعدو عن كونها أحد الأعراض الجانبية لأمراض مزمنة في هيكلية النظام الرأسمالي العالمي الراهن. وبالتالي فإن آثارها سرعان ما تزول إذا ما تم أخذ بعض الجرعات المسكنة.!


حقيقة الأمر لم تكن آراء هذه السيدة التي كسا اللون الأبيض شعرها، سوى انعكاس لتصور النخب الاقتصادية والمالية الأميركية لسبل علاج الأزمة، أو في أقل تقدير سبل الحد من آثارها المدمرة.
 

أذكر أنني تبنّيت موقفاً راديكالياً بعض الشيء، فوصفت هذه الأزمة بأنها مثل جبل جليدي بانتظار «تايتانك»، وأن الأسوأ مازال في الطريق..


وبطبيعة الحال طلبت منها الانتظار لحين انتهاء الربع الأول من العام 2008 ، لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور.


الآن انتهى الربع الأول، ومضى نحو 250 يوماً أو يزيد قليلاً على اندلاع هذه الأزمة، فباتت الصورة معتمة أكثر، إلا أنها مازالت تزخر بالتفاصيل منها:  صندوق النقد الدولي يرى أن تباطؤاً «ملموساً» في وتيرة النمو الاقتصادي العالمي في عام 2008 يبدو «حتمياً» الآن، وحذر من أن إنعاش الأسواق المالية العالمية سيكون مهمة معقدة وطويلة. 


مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) طفق على خفض الفائدة بشكل دوري. ما سحب العملات المرتبطة بالدولار إلى انتهاج الأسلوب نفسه رغم تعارض ذلك مع أبسط الأعراف الاقتصادية والمالية.


الـ 150 مليار دولار التي رصدتها «خطة بوش» لإنعاش الاقتصاد الأميركي والـ400 مليار والـ200 مليار التي تبعتها، سرعان ما تبخرت في أسواق مال مهووسة بفكرة «التراجع».   دائرة إفلاس البنوك العالمية المرتبطة بالأزمة آخذة في الاتساع.

 

التساؤلات التي تدور حالياً في أفخم الأروقة الاقتصادية العالمية، دخلت في نطاق التساؤل المر: هل عالم المال على وشك الانهيار؟ 

 

بعض التصورات «تمادت» وذهبت إلى تشبيه الأزمة بانهيار أسواق الأسهم في عام 1929 و«الكساد العظيم» الذي أعقبه.


مسح لبنك «ميريل لينش» يظهر أن غالبية من 193 مدير صندوق احتفظوا بسيولة مالية كبيرة، ما يكشف عن حذر بالغ.


وبناءً على ما سبق فإنه يتحتم على المستثمرين في الأسواق الناشئة - ومنها أسواق الدولة - العمل بالفعل على سيناريو «أسوأ الأحوال». 


هذا موجز مختصر لتفاصيل الوضع الاقتصادي العالمي في ثمانية شهور. ولعل الشهور الباقية من العام الجاري ستكون حاسمة لجهة الجزم بين ما تقوله «نانسي» من فكرة «المسكّنات» أو لجهة من يرى أن الحاجة باتت ملحة لـ«قبلة حياة» على جسد اقتصاد عالمي أنهكته أمراض الشيخوخة.   

safaa1971@yahoo.com