«أزرق».. وحـدة على مقـاس القــــدر


حبكة الفيلم تنسينا الشخصيات، تضعنا في مواجهة لوعة الغياب، وتحويله إلى تمرين طويل على الوحدة، وربما اكتشاف قدرات استثنائية على ابتكار حياة جديدة لها أن تكون بديلاً عن حياة انتزعت منا بلحظة واحدة، بانعطاف القدر إلى مأساة.


في ما تقدم إيحاء لما حمله فيلم المخرج البولندي الشهير كرزستوف كيسلوفسكي «ثلاثية الألوان» «أزرق» عام 1993 وأتبعه ب «أبيض» و«أحمر» عام 1994 وعليه تكون ألوان العلم الفرنسي قد اكتملت كونه مصدر تقسيم الثلاثية إلى هذه الألوان، لنمضي الآن إلى تسليط الضوء على «أزرق» على أن نتبعه بقراءتين عن «أبيض» و«أحمر».


تشكل كلمة «غياب» الكلمة المفتاح في «أزرق» كيسلوفسكي، ولا يمهلنا أبدا، إذ يبدأ بصياغته على الفور، من المشهد الافتتاحي، حيث تكون الكاميرا مثبتة على دولاب السيارة، نشاهدها تمضي مسرعة دون توقف، ومن ثم ورقة «السلوفان» التي تتطاير من شباك نصف مفتوح، ومن ثم طيرانها بعيداً، وصولاً إلى لحظة تتوقف السيارة وتخرج منها طفلة صغيرة لقضاء حاجتها، ومن ثم تناديها أمها، إلى أن نشاهد تسرب سائل من السيارة.


يقطع المشهد لنجد شاباً يقف إلى جانب الطريق ينتظر أن تتوقف له سيارة، ومع مرور السيارة سابقة الذكر، نشاهدها وقد اصطدمت بشجرة على يمين الطريق، لنشاهد ذاك الشاب ينهض ويحمل معه مزلاجه، ومن ثم يرميه أرضاً ويركض بأسرع ما بمقدوره باتجاه السيارة المهشمة.


حاولت في الأسطر السابقة تقديم قدر الإمكان العشر دقائق الأولى من الفيلم بدقة، ذلك أن ما يقدمه هذا الفيلم ليس الحدث بعينه، بل كيفية سرده تفاصيله التي تجعلها مروعة ذات وقع، ليمتد ذلك حتى نهايته، برشاقة وحنكة تجعل المشاهد يفكر بالأزرق كلون للحبكة المحكمة، حيث تمضي أحداث الفيلم نحو جولي (جوليت بينوش) الناجية الوحيدة من حادث السيارة، جولي الأم التي تفقد ابنها وزوجها من هذا الحادث، ولكم أيضاً كيف يقدم كيسلوفسكي معرفتها ذلك، كيف نشاهد صديقها عبر بؤبؤ عينيها يخبرها بذلك، كيف ترى مراسم دفن ابنتها وزوجها على شاشة تلفزيونية تروح تتحسس بأصابعها تابوت ابنتها الصغير.


ليس المهم الشخصية، بل مصير تلك الشخصية، وكيف نمضي بعد ذلك الحادث المروع خلف فيلم جديد، إذ تقرر جولي بدء حياة جديدة، إذ تقوم ببيع القصر الذي كانت تعيش فيه مع زوجها الموسيقي، وتطلب من محاميها أن يؤمن حياة كل من بستاني وخادمة القصر، إضافة لأمها، وبعد أن تمارس الحب مع أوليفيه الموسيقي الآخر الذي يحبها.


تنفض كل ذلك وتذهب لاستئجار شقة، تضعها في عالم جديد من العزلة والألم، أو عالم جديد ليس فيه من القديم إلى كريستالات زرقاء، وموسيقى المقطوعة التي لم يفرغ زوجها من تأليفها، إذ نجدها تداهمها الموسيقى في أوقات مختلفة، وتصبح الشاشة عندها سوداء تماماً، دون أن ننسى حلوى ابنتها التي تجدها ما زالت في حقيبتها، الحلوى المغلفة ب «السلوفان» الأزرق، الذي يطير من نافذة السيارة كما سبق وأوردنا.


اكتشافات متلاحقة تتوالى على جولي، مثل اكتشافها بأن لزوجها عشيقة وهي حامل منه، وعلاقات كثيرة تعيشها في حياتها البديلة، وصولاً إلى عودتها إلى القصر، وطلبها من عشيقة زوجها أن تضع حملها هناك، وإكمالها مقطوعة زوجها على اعتبارها الوحيدة القادرة على ذلك.


بدأت بأحداث الفيلم بمحاولة لتوخي الدقة وسرد التفاصيل ما أمكن، لأتوقف بعد ذلك، كون الأمر يستغرق آلاف الكلمات، لأعود وأؤكد على أن الكيفية التي صيغت بها تلك الأحداث هي الأهم، رصانة الصورة، جماليات كيسلوفسكي التي تكون بالأزرق في أبهى تجلياته، وأشياء كثيرة لا يمكن أن تعرفونها إلا عند مشاهدة الفيلم.

طباعة