تنظيم فعل الخير

 
لا شك أن التنظيم في الإسلام أمر محبوب ؛ لأنه يحقق النجاحات التي يريدها لأهله، لذلك لم يُعرف عمل ما من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم عشوائياً أو عفوياً، منذ فجر الرسالة إلى أن لحق بربه جل وعز، ولقد حث على ذلك بقوله كما حث عليه بسلوكه، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها:
 
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جل وعز يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» كما أخرجه البيهقي والطبراني وغيرهما، وسواء كان ذلك العمل دينياً أو دنيوياً، فردياً أو جماعياً، خاصاً أم عاماً، وبذلك تميز الإسلام عن غيره من الشرائع أو الوضائع، فالصلاة منظمة بالأوقات والجهة والهيئة، والزكاة مثلها، والصيام كذلك، والحج نحوه، والمعاملات المادية من بيع أو شراء وغير ذلك والاجتماعية من نكاح ونحوه وميراث وتقاضي وغيره، كل ذلك منظم أيما تنظيم في الإسلام..
 
والعمل الخيري بأمس الحاجة اليوم إلى تنظيم لموارده ومصارفه حتى يؤتي أكله بإذن ربه، قبولاً عند الله تعالى وأثراً في المجتمعات البشرية، ألا ترى أن الزكاة التي هي أخت الصلاة منظمة قدراً ونوعاً وأخذاً وعطاءً، وهي تمثل اليوم الأساس الأول في فعل الخير للبشر.

لكنها اليوم تحتاج إلى تنظيم أكثر جباية وصرفاً، نظراً لأنها الأساس الأول لفعل الخير، لذلك التفت كثير من العقلاء لتنظيمها فنشأت الهيئة العالمية للزكاة في الكويت ونحوها في المملكة العربية السعودية برعاية منظمة العالم الإسلامي ودلة بركة، وعقدتا مؤتمرات وندوات لذلك في أوقات ومحاور مختلفة، أثمرت ثمرة كبيرة في أثرها ونفعها تنظيماً وتشريعاً.
 
وهكذا ينبغي أن تكون المؤسسات النفعية من جمعيات أو هيئات أو غيرها،لأن التنظيم هو سر نجاح العمل المؤسسي، لأن العمل العشوائي لا ينجح ولا يستمر، لا سيما ونحن في عالم الذرة الذي يجري فيه الحساب على النقير والقطمير والقليل والكثير، وعالم مليء بالتناقضات حيث يقوم التبشير ودعاة الفساد بكل نشاط وينفقون الخزائن الملأى من غير نكير ولا مساءلة.
 
بينما يتهم المسلمون من خلال عمل الخير أو الإغاثة بأنهم يزرعون أو يصدرون الإرهاب، مع أنهم أبعد الناس عن ذلك، فكان لا بد لاستمرار العمل الخيري ودرء الشبهات عنه أن يكون منظماً ليدحض إفك الأفاكين ومرية المرتابين.

غير أن التنظيم لا يعني التقييد بمكان أو منهج أو رؤية معينة، بل أن يكون منسقاً بحسب سياسة كل دولة ورؤاها،بحيث يكون في رؤية عين الدولة لتحميه وتحمي أهله، ولا مانع أن يكون هناك تنسيق مؤسسي بين طوائف المؤسسات العاملة في بلد أو بلدان مختلفة، لكن لا يكون حكراً في دولة أو تحت هيئة معينة لأن ذلك يدعو إلى جمود النشاط وانحصاره في رؤى معينة.
 
وقد يكون محسوباً على جهة أو دولة بحيث يتأثر العمل الخيري بحسب سياسة الدولة ووجهتها، فكان لا بد من تفعيله وتعدد رؤاه وجهاته لتتعدد مصادر دخله ويعم نفعه في البلدان وبني الإنسان. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
طباعة