"الخير زايد والشكوى وايد"


 زادت الرواتب، وزادت معها الشكوى. كثرت الأموال في أيدي الناس، وكثر معها الصياح من قلة البركة. كانت الرواتب تحسب بالمئات والقليل من الآلاف، وأصبحت الآن تحسب بعشرات الآلاف، ومع ذلك زاد الأنين من صعوبة الحياة وعدم كفاية الدخول أمام الزيادة المضطردة في الحاجات والمصاريف.
 
هل هي بالفعل قلة بالبركة، أم سوء في التقدير وخلل في التصرف؟ هل هو الغلاء الذي اجتاح كل أسباب الحياة، أم هو الاستهلاك الذي استباح العقول والنفوس واحتوى القناعات ليتربع على قمة نمط الحياة؟ أم هما الاثنان معاً؟.. قلة في البركة مع سوء في التصرف وخلل في السلوك؟ وإذا قلّت البركة بالفعل فمن أين جاء هذا البلاء؟ وكيف حدث؟ ولماذا يحدث؟.
 
سيحيل الاقتصاديون وأهل الأرقام الإجابة عن هذا السؤال الى هبوط الدولار، الذي يرتبط به الدرهم، مقابل عملات الدول الأوروبية والآسيوية التي نستورد منها معظم حاجاتنا من السلع، وإلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وارتفاع معدل التضخم.. وأسباب أخرى تتجه الى الملموس بعيداً عن المحسوس.
 
وأما أهل الفكر والمنشغلون بالقناعات فسيوجهون الأصابع الى السلوك العام، وهيمنة «عبادة المادة» ، وطغيان أنظمة الربا ووصول غبارها، وقلة الشكر على النعمة، وزيادة النزعة الفردية، وتراجع صفة التراحم بين الناس، والتكالب على ملذات الدنيا. وسيربطون كل ما قاله أهل الاقتصاد وأصحاب الأرقام بهذا الخلل في النفوس والاختلال في الأفكار.
 
وربما التقى الرأيان عند نقطة في الوسط عنوانها ان «الخير زايد والشكوى وايد». فالإقبال غير المنضبط على الاستهلاك، وتمدد ثقافة التنافس على اكتساب الوجاهة بالمظهر، وانفلات عقال القناعات لصالح الطموحات الطماعة، أحدث شعوراً دائماً بعدم الرضا، وإحساساً بالضنك، وميلاً الى ان الموجود لا يكفي، وأن النفوس تواقة للمزيد. فتحال هذه العيوب الذاتية الى عيوب المجتمع، وتتهرب النفوس من اللائمة لتلقي باللوم على أطراف أخرى.
 
وكلما زاد المدخول تاقت النفوس الى غير المعقول. فصارت قلة بركة أم قلة تدبير، سوء سلوك أم سوء ظروف.. سمّها ما شئت، فقد تعددت الأسباب والحال واحد.   من  المجالس  

adel.m.alrashed@gmail.com