ذكرى شاعر

  
حلت في الأسبوع الماضي الذكرى الأولى لمرور عام على رحيل الشاعر محمد حسين هيثم الذي مكنته تجربته المتميزة من تمثيل شعراء اليمن في العديد من المحافل الشعرية العربية. كان الراحل صديقاً وفياً لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وكان له حضور متكرر في المهرجانات الشعرية العربية من جرش إلى المغرب، ولا ينسى أبناء جيلي الدور الذي قام به بعد انتخابه أميناً عاماً لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وإسهامه منذ أواخر التسعينات في طباعة الأعمال الجديدة والتعريف بالأصوات الأدبية الشابة.

 

آخر مجموعة شعرية أنجزها صدرت بعد رحيله بعنوان «على بعد ذئب» ومن أعماله الأخرى مجموعة «استدراكات الحفلة» التي استوقفتني وأنا أطالع أعماله الكاملة.

 

كان ينأى بنصه بعيداً عن الوضوح والمباشرة، ويبدو الشاعر في قصائده وحيدا، يحاول الحفاظ  على رأسه من السقوط.

 

كان هيثم قارئاً متميزاً ومتابعاً لأحدث الترجمات في الحقول المختلفة، وامتلك ثقافة بصرية وسينمائية انعكست في نصوصه بامتياز، ويكاد أن يكون الشاعر السبعيني الوحيد الذي أخلص لتجربته الشعرية واستطاع أن يلفت انتباه الأجيال الشعرية اليمنية الشابة التي لم تر في تجارب السابقين ما يستحق الاهتمام.

 

كتب قصيدته برؤية قلقة وباحثة عن خلود ما يضمن بقاء النص خارج لحظة الكتابة، وخارج لحظة القراءة العجولة التي تبحث عن معنىً جاهز. لذلك لا يجد القارئ في بعض نصوص هيثم ما يُطلق عليه «بيت القصيد»، كما يصعب اجتزاء الصورة الشعرية وعزلها عن السياق الكلي للنص.

 

يحتاج القارئ إلى إعادة قراءة نص هيثم أكثر من مرة، لتجاوز الانطباع الأولي الذي يوحي لك أنك أمام اشتغال لغوي مجرد. وهناك أيضاً البعد الإيقاعي المدروس عبر توزيع الكلمات على البياض وفق مساحات مدروسة، بغرض إيصال الحالة الانفعالية التي كتب النص في أجوائها.

 
يحشد في نصوصه كل آليات الكتابة الشعرية التي تراكمت في تجربته .. تلك التجربة التي ترتكز على مواربة الموضوع لمصلحة النص جسدًا قائمًا بذاته، يلتهم مناسبة الكتابة، بزمنها وموضوعها، لإنتاج دلالة مخاتلة، تغيم في مقطع لتشعّ وضوحاً في مقطع آخر من النص ، وينهض الوضوح مثل ما ينهض الغموض على استخدام الشاعر للرموز التاريخية والسياسية. وتتجلى خصوصية هيثم في ارتباط ثقافته الشعرية منذ بدايتها بظروف وأحداث سياسية محلية، كان لها انعكاس ملحوظ على تجربة شعراء السبعينات الذين استضافوا الرمز في قصائدهم ميزة أسلوبية تارةً، وميزة اضطرارية تارةً أخرى .

 
غير أن هيثم جعل من استخدام الرمز والاشتغال على اللغة، أسلوباً يستوطن قصيدة النثر التي كتبها، رغم العراك الخفي بين ثلاثة أجيال شعرية عربية، آخرها يختلف عن هيثم بالحديث عن فك الارتباط بين قصيدة النثر وبين الترميز، واستخدام المجاز وكل ما له علاقة بالجماليات اللغوية الشكلية.


ويمكن أن نستثني من أعماله نصوصاً عديدة من بينها نص «هذه الرأس» الذي يتفق سياقاً وأسلوباً مع هذه الرؤية، مما يجعل هيثم أكثر قرباً من اللحظة الشعرية العربية الراهنة، عبر مقدرته على اجتراح التجريب الشعري خارج مسلمات قصيدته الوفية لأسلوبها وظروف تشكلها.
     

slamy77@gmail.com