استغراب الاستغراب

 خلال مشادة  بين روائي عربي وروائية عربية حدثت في أثناء انعقاد أحد محاور الملتقى الروائي العربي في القاهرة أخيراً، صاح الروائي  العربي الكبير في الروائية المبتسمة: «إنك تركّزين في كتاباتك على الجنس، وهو غير مهم في حياتنا، لا يستغرق سوى ربع ساعة.فلماذا نخصص له كل هذه الصفحات؟ ننام يومياً ثماني ساعات، ونمضي ثمان أخرى في العمل، بينما نقرأ ونكتب في الباقي. ولن يبقى سوى ربع ساعة فقط للجنس».

كنت أظن أن هذه الفضيحة تحدث في الكوابيس فقط، لذلك اعتقدت فوراً أني أتوهم ذلك، نقرت على اكثر من موقع إلكتروني فإذا بي أتأكد من الموضوع، هل نحن إذن أمام واقعة غريبة في تفكيرنا الثقافي تشكل ظاهرة تسيء الى الادب العربي والثقافة العربية وتعيد تأكيد تخلفنا الحضاري وهشاشة مرتكزاتنا الفكرية، وبالتالي تدني مستوى إبداعنا الروائي والفني بشكل عام، أم أن ذلك لا يثير الاستغراب أبداً وأن المستغرب هو الاستغراب نفسه؛ لاننا نعيش في بلاد بعيدة تماماً عن التنوير والجرأة والحوار وتعادي الانفتاح والانسجام مع الذات، والتحرر الذاتي الحقيقي؟

تورطت في  فعل الاستغراب بضع ساعات، لكنني سرعان ما راجعت نفسي ووجدت ان هذه الازمة الاساسية الدائمة في بنية التفكير الثقافي العربي هي المسؤولة تماماً عن تراجع دورنا في الاسهام بالحضارة العالمية ثقافياً وإنسانياً  وعلمياً. هل بالفعل كان لنا دور؟ والمفجع في الموضوع أن هذا الكلام يأتي من روائي عربي شهير، وليس من مواطن عادي، ان الطبقة العربية المثقفة نفسها ما زالت تخاف من  مقاربة الجنس كتابة، فكيف بالمواطن العادي؟ أليس المفروض ان تكون هذه الطبقة بمنزلة رافعة للحريات والجرأة واقتحام المناطق المحظورة؟ ما هدف الكتابة اصلاً؟ أليس تحدي الممنوع واختراق المخبأ؟ أيخيفنا الجنس الى هذه الدرجة؟  ما الذي يخيفنا فيه؟ وهل صحيح ان الجنس في حياتنا هو ربع ساعة فقط؟ وما مفهومنا للجنس؟ وكيف ولماذا تخلص المثقفون  الغربيون من هذا الهاجس في كتاباتهم، بينما نحن ما زلنا نرزح تحت ثقله؟ هل هناك حدود للكتابة؟ اذا كان هناك فما الكتابة اذن؟ اسئلة كثيرة مطروحة امامنا بقوة بينما نحن عاجزون عن الاجابة عنها بهدوء ودون توتر.

كان المفترض بالروائي الكبير ان يسأل الروائية الشابة سؤالاً آخر: لماذا تقاربين الجنس بهذه الطريقة؟ أو لماذا الجنس غير موظف بشكل جيد في روايتك؟ في هذه الحالة افهم تماماً  هذه الاسئلة وأبررها؛ لان معظم كتاب الجنس في بلادنا لم يوظفوا هذا العالم المعقد والمثير والاشكالي والعميق والملتبس، كما يجب ان يوظف.
 
لا أستغرب اي شيء في ثقافتنا العربية، اي شيء يمكن ان يحدث، لا شيء مستبعد، لا شيء غير محتمل، فثقافتنا تعيش اشد عصورها ظلاماً وفراغاً، هل سمعتم عن الادباء العرب الذين يرسلون كتبهم بالبريد الى المراجع الدينية منتحلين اسماء وهمية تحريضاً لهم على ما يكتبون حتى يتم منع هذه الكتب وبالتالي تكتسب شهرتها  وضجيجها؟ هذا يحدث في بلاد العرب والله.
هل سمعتم عن ادباء  يدفعون للنقاد مبالغ مالية معينة حتى يكتبوا عنهم ويمدحوا أعمالهم؟ هل سمعتم عن كاتبات عربيات يشترين شهرتهن بأجسادهن؟ فيصبحن كاتبات مشهورات في بضعة أشهر، هذا كله يحدث في بلادنا، لا تستغربوا أرجوكم،  بل استغربوا الاستغراب.

zkhadash@yahoo.com