نجح في أرشفة التنظيمات السياسية العربية

 

يُعد واسيني الأعرج واحد من أبرز الروائيين العرب الذين  تواكبت روايته الشهيرة «سيدة المقا» مع طموحات جيله من الروائيين  الذين كانوا  يتطلعون إلى أرشفة التنظيمات السياسية في العالم العربي عبر الرواية، ونجح الأعرج في الجزائر، وحيدر حيدر في سورية، ومالك حداد، أن يقدموا نسخة جديدة من الرواية المكتوبة باحتراف وسرد يرصد كل التفاصيل الاجتماعية الثرية والتي تتميز بها المجتمعات العربية المختلفة.
 
وهو أمر اكده الأعرج في حوار مع «الامارات اليوم» أثناء حضوره لفعاليات مؤتمر الرواية العربية والذي أقيم بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية، مشيراً الى تأثره بلغة الاحتلال الفرنسي، وأن هناك تفاوتاً بين الأجيال في الكتابة الروائية مؤكداً «أن انتماءه للعربية لا يمنع انتماءه للفرنسية».

ويعتبر الاعرج من الكُتاب الجزائريين القلائل الذي راهنوا على الكتابة باللغة العربية وقال عن الامر: «ولدت في عام 1954 وعاش جيلي أيام طفولته الأولى في الجزائر تحت وطأة الاحتلال الفرنسي الذي كان يستهدف الثقافة قبل السياسة وبالتالي انقطعنا جميعاً عن اللغة العربية وصارت اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى،
 
وقد كان غريباً أن نتحدث بلغة تبتعد عن تفاصيل حياتنا اليومية وتراثنا الثقافي والاجتماعي ما دفعني إلى البحث عن وسيلة أتعلم بها العربية كتابة ونطقاً وكانت لي جدة تعتز بأصولها الأندلسية، وقد أخبرتني بضرورة الاطلاع على التاريخ العربي وإتقان اللغة عبر ذلك،
 
وقد وجدت مشقة في تنفيذ ذلك، حيث كانت تعللام اللغة العربية يقتصر على الكتاتيب التي يحفظ فيها الأطفال القرآن الكريم، وبعد رحلة مطولة مع محفظ القرآن الذي كان يجعلنا نقرأ من المصحف دون أن نفهم معانيه انشغلت بالاستحواذ على المصحف والاحتفاظ به في منزلي، لكنني فوجئت بعد قراءة صفحات كثيرة أن الكتاب الذي بين يدي ليس مصحفاً وإنما مجرد رواية نثرية لكاتب عربي قديم كان يقتبس موافقه وأحداثه من رواية «ألف ليلة وليلة». 

ورغم التزام الاعرج باللغة العربية كوعاء تعبيري اساسي راهن عليه في مسيرته الابداعية لم يستطع دخول تجربة الكتابة باللغة الفرنسية في روايته الاخيرة «الامير»، وعن هذه التجربة أوضح الاعرج «رواية الأمير اخترت أن أكتبها بالفرنسية وترجمت بعد ذلك إلى العربية،
 
وقد تناولت فيها حياة المناضل عبدالقادر الجزائري وأسقطتها على ما حدث في الجزائر بعد ذلك في إطار روائي يحفظ لغة المكان والزمان جيداً ويتعامل مع وطأة الاحتلال وما تلاها من أحداث فصلت الفكر عن الواقع وأحدثت تشابهاً واضحاً بين المنفى داخل الوطن وخارجه،

وهو أمر ربما يحدث في إطار التسلسل المنطقي للأحداث والمنفى الذي يعيشه المثقف داخل وطنه»، وأضاف الاعرج «أعتقد أن الرواية العربية تعاني من عدم قدرتها على التواصل مع الأجيال الجديدة، وهــذا الأمر لا يقتصر على الرواية فقط وإنما يمتد إلى الشعر والنقد ومجالات أخرى عديدة،
 
وقد عايشت تجربة شخصية دخلت خلالها في حرب عنيفة مع شيوخ مهنة الكتابة حينما كنا نعد ملحقاً ثقافياً لإحدى الصحف العربية الشهيرة، وقتها رفض الشيوخ تخصيص الملحق لشباب الكُتاب معللين ذلك باحتياج القارئ على الأعمال الشهيرة أو التي يكتبها كبار الكتاب».
 
وأضاف الاعرج عن الاختلافات التي تطال الابداع الروائي طبقاً للزمان والمكان « الروائي يشد كتابته كخيط بين قطبي الزمان والمكان في حكاية متخيلة مطولة يتوازى أبطالها مع الواقع المعاش، ولكي ينمو السرد الروائي ويـــتطور لابد أن يزرعه الكاتب في أرض زمانية ومكانية خصبة،

ودون ذلك يستحيل على السرد أن يؤدي رسالته الحكائية»، وأوضح  الاعرج «أنه طـــبقاً للنظريات النقدية الكبرى فإن الترابط الزماني والمكاني في العمل الروائي ليس معادلة رياضية أو ملمحاً جغرافياً وإنما هو لمعة في التخيل القصصي تصبغ على الرواية بعداً اجتماعياً وإنسانياً خاصاً،

وهناك أجيال من الروائيين الكبار ينتهجون تيار الوعي والتجريب ويتكئون فيه على التاريخ الاجتماعي والنضال للشعوب التي تعيش مخاض الثورة الاجتماعية».
 
 

الأنا والآخر 

 كد واسيني الاعرج  «انه لابد من تحديد الآخر الذي يسعى الكاتب للتواصل معه روائياً، فربما يكون هذا الآخر من البيئة والثقافة المثيرة للأنا كالتطرف والإرهاب أو أي شكل من أشكال العنف الأخرى،

وقد تتسع الدائرة ويكون الآخر مخالفاً للأيديولوجيا التي يتبناها الكاتب، وفي كل الأحوال لابد أن يتم دمج وتحليل وإبراز التمثيل الثقافي في كل تفاصيل السرد  ليتسنى للكاتب إثارة الأسئلة في ذهن القارئ المستهدف.

وبذلك يتحقق للرواية تجاوز مكروهات التاريخ وينمي دورها في الحوار الحضاري وتعميق الوعي بمكونات وجهة النظر، وأعتقد أنه وإن تحقق ذلك فإن وعي الذات العربية سيشهد رقياً غير مسبوق يمكنها من تجاوز المخاطر السياسية المنتظرة