«في وادي إيلاه».. أميركا أمة منكوبة

هل القوة الأميركية عملاق هائل الحجم تم استدراجه إلى العراق لتتم هزيمته على يد غلام صغير بواسطة مقلاع؟ سؤال يجد إجابته في فيلم «إن ذا فالي أوف إيلاه» (في وادي إيلاه) الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية، وتحديداً عبر القصة التي يرويها هانك «توم لي جونز» لطفل صغير مستحضراً رواية توراتية،

لا بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى مقولة واضحة وصريحة يقدمها الفيلم في نهايته تتمثل بأن أميركا أمة منكوبة، وذلك بعد أن يقوم هانك نفسه برفع العلم الأميركي بالمقلوب، الأمر الذي يوضحه في بداية الفيلم عندما يمر برجل يرفع العلم بالمقلوب منبهاً إيّاه إلى أن ذلك يحمل ذاك المعنى. الفيلم صالح لأن يكون على شيء من الإثارة والتشويق،

لكن مخرجه بول هاغيز، الذي شاهدنا له منذ عامين فيلمه المميز «كراش»، يبعد أي عنصر قد يأخذ بالفيلم إلى منحى تشويقي، ولا يستثمر جمال وأنوثة ممثلة مثل تشارليز ثيرون، ولا يستغل أيضاً قدرات سوزان ساندرون الاستثنائية، كما لو أنه لا يريد لشيء أن يشتت مقولة الفيلم معتمداً على توم لي جونز المرشح عن دوره في هذا الفيلم لأوسكار أفضل ممثل،

لا بل إن فيلم «في وادي إيلاه» يتمركز حول جونز، ومعالم وجهه القاسية وأدائه الخاص. يبدأ الفيلم بتلقي هانك (جونز) اتصالاً هاتفياً من الشرطة العسكرية الأميركية مفاده أن ابنه مايك هرب من وحدته العسكرية بعد عودته من العراق، وأن عليه إبلاغهم في حال جاء إلى البيت. هانك الجندي المتقاعد، والذي كان رقيباً في الشرطة العسكرية،

يتوجه في الحال إلى المكان الذي تقع فيه وحدة ابنه والذي يتطلب منه قيادة سيارته ليوم كامل، وهناك نمضي معه باكتشاف ما كانت عليه حياة ابنه في العراق، وتحديداً أن هذا الأخير كان في آخر اتصال مع والده يستغيث ويقول له «خلّصني من هنا»،

كما أن هانك يتمكن من سرقة هاتف ابنه المتحرك لدى تفقده لغرفته، وليعثر في الهاتف على مجموعة أفلام قصيرة صوّرها الابن يبقى يتلقاه طوال زمن الفيلم من شخص يلجأ إليه هانك ليستخرجها له.

هذه الأفلام القصيرة، ورغم التشويش الذي يعتريها، تقول لنا إن أشياء مريعة قد حدثت في العراق، وإن مشاهدات الابن كانت بما يفوق التوقع، تحديداً أن مايك كان قد سبق وشارك في حرب البلقان، وأنه تطوع في الجيش لا لشيء إلا ليكون مثل والده.

يلعب هانك دور المحقق ويستعمل مهارته السابقة مع المحققة إميلي (تشارليز ثيرون) إلى ان يكتشف أن ابنه قد تعرض لجريمة قتل وحشية، وأنه طعن ما يقرب الأربعين طعنة وقطع وأحرق. مع هذا الاكتشاف قد يراود المشاهد بأن مؤامرة تقف خلف تلك الجريمة، كما لو يراد من خلالها إخفاء شيء يعرفه مايك، وليعزز هذا الشعور تصارع الشرطة المدنية ممثلة باميلي مع الشرطة العسكرية على من يحق له التحقيق في هذه الجريمة.

هانك سبق وأن قُتل له ابن له كان في الجيش أيضاً، ولعل زوجته (سوزان ساندرون) تمنح في الفيلم مساحة لتعبر عن حزنها بإيجاز، ويبقى هانك طوال الفيلم متماسكاً كونه عسكرياً ومقتنعاً بما كان يؤديه ابنه، لكن اكتشاف مرتكبي الجريمة بعد أن يقدم أحد رفاقه على الانتحار، يدفعه لتغيير قناعته،

وليقدم الفيلم لنا مقولة إضافية تتمثل بأن القتلة في الخارج يصبحون قتلة في الداخل الأميركي، وبمعنى أدق قتلة بدم بارد، قتلة لا يجدون في القتل إلا فعلاً عادياً، المقولة التي تعزّزها ملابسات جريمة مقتل ابن هانك، ومن ثم ذلك الجندي الذي يقتل زوجته والذي تكون -أي الزوجة- قد سبق وطلبت من المحققة اميلي أن تحميها؛ كون زوجها يقوم بتصرفات غريبة،

وقد قام بإغراق كلبه في حوض الاستحمام. يصل إلى المتلقي كل ما يرغب الفيلم في قوله، وتبقى المقولة أميركية بحتة؛ كونها تقول للمشاهد انظر في الذي حلّ بشبابنا وهم «ينشرون الديمقراطية في العراق»،

وكم من الخوف يحيط بهؤلاء الجنود كونهم مستعدون لأن يدهسوا طفلاً صغيراً لئلا يتوقفوا في أي حي بغدادي. «في وادي إيلاه» فيلم المقولة التي قد تدفع هاغيز لأن يضحي بأن شيء آخر لخدمتها، لكنه أفضل بكثير من فيلم «ذا بريف ون» (الشجعان) و«ليونز فور لامبس» (أسود للحملان) كونهما في نفس الهجائي لحروب أميركا الحديثة.