ضياعات متجاورة

 إنها تحلم، تحلم، هكذا قلت لنفسي همساً، فهذه مونودرما، اما الممثلون  الاخرون، السائق، ام الشهيد، المقاول، الرجل الستيني، فما هم سوى اشخاص ابتكرتهم هيلين الفرنسية ،
 
الم نشاهدهم يدورون حول المرايا  ذلك الدوران الخافت والضبابي، كانوا بالفعل يدورون في ذهنها، كانت هي تقف في مركز المسرح، في وسط ذهنها المتعب والانساني، اما هم فقد وزعتهم على اطراف ذهنها، تستدعيهم  وقتما تشاء، تتحدث معهم، تعذب نفسها بهم،
 
تكتشف عارها وفقر عالمها وندوب روحها امامهم، هل كنا نحن الجمهور حلماً في رأسها ايضا، اخترعتنا السيدة لترتاح، هل حلمناها، لنهدئ من شعورنا  بالخوف والعزلة  والوحدة في عالم  ظالم لا ينتبه لآلام الآخرين؟

«مرة حلمت اننا نحلم» محمود درويش، وانه لظاهرة ممتعة مهدئة، وكبيرة تعيش فقط في اذهاننا، نتخيلها ونعيشها لاننا بلا بطولات  وبلا فرسان او رموز، لماذا تفعل  هيلين كل ذلك؟ ألتخفف من قسوة احساسها بالمسؤولية عن عذابات وطن ضائع؟ ما سر اهتمامها بالموضوع؟

فالوطن ليس وطنها والشعب ليس شعبها، لم لا تعود الى بلادها حيث كل الاشياء مكتملة ومستقرة ومنطقية؟، نحن اذن امام انسانة، انسانة بمعنى الكلمة، تفتش عن صورتها في جراح الآخرين، الاخرون الذين هم بشر مثلها، يا ليت كلمة الانتفاضة لم تذكر في  المسرحية،
 
لانها حددت المشهد  باطار جغرافي وسياسي، وحشرت الصورة في قضية ارضية صغيرة اسمها فلسطين، كان يجب ان تستبدل الانتفاضة بكلمة حرب، حتى  يتوسع المفهوم، حتى تنطبق الحالة علينا وعلى الآخرين، تخيلوا عرضا لهذه المسرحية في الارجنتين،

الارجنتينيون سيفهمون فورا انها تتحدث عن فلسطين، وهذا يخفض سقف المسرحية، هذا لا يعني بالطبع ان كل كتابة او دراما عن فلسطين تخفض من مستوى الفن لكننا تعودنا ان تقترن هذه بتلك وبانتظار من يثبت عكس ذلك، هناك من  اثبت ذلك ولكنهم قلة وسط قاعدة كبيرة استخدمت فلسطين استخداماً رديئاً واساءت بذلك للفن ولفلسطين معا، ويضيق افقها،
 
وتصبح اقرب الى التباكي والتحريض وممارسة الانين والحسرة والاستمتاع بكوننا ضحية دائمة وطلب الشفقة، وهذه مفردات مسرحنا الفلسطيني المعهود والمكرر، هذا ليس مطلوبا ولا منتظرا، فقد شبعنا استعراضا واسترحاما لعالم فظ وغير مبال، لا يحدث هذا لو كان هناك اطار انساني اوسع،
 
لو كانت الحرب هي التي اختطفت طفل الام،لأحس الارجنتيني ان ابنه نفسه هو الذي  خطف، فقد عاش هو اجواء الحرب وما يستتبعها من مآس وموت ودمار وفقدان. الفكرة في المسرحية عالية الفضاء وتحتمل ابعد من ذلك من تحليق، فكرة ان تضيع اشياؤنا الصغيرة في بلاد كل شيء فيها ضائع،
 
او في عالم كل شيء فيه ضائع، الضياع نسبي جدا في عالمنا، فمنا من يضيع قلمه او قبعته، ومنا من يضيع ابنه او عائلته او طنه او عمره اوعقله، وحين تتجاور الضياعات البسيطة والكبيرة نشعر بضحكة ساخرة لكنها دموية،

مبحوحة ممزوجة بدمعة مالحة، ساخنة تخترق كياننا، فتهتز ارواحنا وتزورنا قشعريرة الاسئلة، وهذا ما سبب لنا هذا الانبهار الجميل والتفكير العنيف، في المسرحية التي كان يجب كما ارى ان تنزاح اكثر عن المتوقع منها،
 
هناك مستوى اعلى كان يجب الحفر فيه، ثمة ارتفاع تمت التضحية به من اجل انخفاض معين لقضية صغيرة تحدث في العالم دائما، ثمة مستوى وجودي عميق ومغر للتأمل، في فضاء الضياعات، يشبه الامر ان نذهب الى ميت ونهزه قائلين،

ببراءة  ام ببلاهة: هل رأيت امرأة تمر من حقلك؟ إنها زوجتي!   *المسرحية  هي «عقد هيلين» التي عرضت قبل  ايام على مسرح القصبة برام الله من انتاج  فلسطيني فرنسي مشترك zkhadash@yahoo.com