الترشيد ثم التخطيط - الإمارات اليوم

الترشيد ثم التخطيط

سامي الريامي


   
   سفير الإمارات في ألمانيا محمد المحمود كشف في تصريحات صحافية له الأسبوع الماضي عن ابتعاث الجهات الرسمية في الدولة لـ6000 مواطن لتلقّي العلاج في مستشفيات ألمانيا، وقال إن تكلفة علاجهم بلغت في العام الماضي وحده أكثر من 90 مليون يورو، وبعد ضرب هذا الرقم في 5.5 تقريباً نكتشف أنه يعني 500 مليون درهم تقريباً، يعني ببساطة نصف مليار درهم!!
خبر السفير الذي لم يلتفت إليه أحد كان من المفترض أن يحدث ضجة غير طبيعية في الأوساط الرسمية الصحية في أقل تقدير، لأن مجرد إرسال 6000 مواطن مريض في عام واحد للعلاج في دولة واحدة يفتح العديد من الأسئلة، ولكن قبل أن نتحدث عن رقم المرضى المبتعثين دعونا نتحدث اليوم عن الرقم الأخطر، وهو تكلفة علاجهم البالغة نصف مليار درهم، وهذه فقط تكاليف العلاج أما إذا أضفنا إليها التكاليف الأخرى المتمثلة في تذاكر السفر والإقامة والمرافقين، فإنه وببساطة شديدة ستصل التكاليف إلى الرقم نفسه مضروباً في اثنين يعني مليار درهم إلا قليلاً!!

اتصلت بأخي العزيز قاضي مروشد عقب خروجنا من سفارة الإمارات في ألمانيا مباشرة وقلت له: «ماذا ستفعل لو أضيفت لميزانية هيئة الصحة نصف مليار درهم الآن؟» قال: «ببساطة سأبني مستشفيين في منتهى الفخامة ومزوّدين بأحدث الأسرّة وبسعة 100 سرير لكل منهما»، ضحكت وظننته يبالغ فإذا به يقول: «هل تعرف أن أحدث مستشفى بنيناه في دبي وهو «تروما سنتر» أو مركز الحوادث والطوارئ، ويضم نحو 90 سريراً بلغت تكلفته 170 مليون درهم!!»

طبعاً قاضي يتحدث دون أن يعرف أن ذلك الرقم يعني تكلفة علاج المرضى لعام واحد فقط في ألمانيا.. إذن هل لنا أن نوسع دائرة الخيال أكثر ونتحدث عن «صافي» تكلفة العلاج دون المرافقين والإقامة لخمس سنوات مضت، إذن نحن ندور في فلك رقم يتجاوز مليارين ونصف المليار درهم، ما يعني تشييد 10 مستشفيات بمواصفات راقية ومعدات حديثة في مختلف أنحاء الإمارات!! 

أما إذا وسعنا الخطة لـ10 سنوات، لا شك أننا سنضيف مبلغاً آخر قدره أيضاً ملياران ونصف المليار درهم يمكّننا من استقطاب أفضل أطباء العالم، مع أفضل ممرضين بدلاً من الشح الشديد الموجود حالياً سواء في الأطباء أو«النيرسات»!! بقي أن نضيف معلومة صغيرة هنا وهي أن ميزانية وزارة الصحة لعام 2007 بلغت مليارين و500 مليون درهم وهي الأضخم في تاريخ ميزانيات وزارة الصحة!! 

إذن هل يمكن تخيّل كيف يمكن استثمار «الترشيد» في مسألة العلاج في الخارج مع ملاحظة أننا هنا نتحدث عن تكلفة العلاج في دولة واحدة وهي ألمانيا، ولم نضف إليها الولايات المتحدة الأميركية مثلاً أو فرنسا أو سنغافورة أو حتى الهند وتايلاند.
 
بكل بساطة نحن لا نفتقر إلى المال ولله الحمد، لكننا نحتاج وبشدة إلى خطط للمحافظة على هذا المال، وتوجيهه بشكل يضمن أقصى استفادة منه.. نحتاج إلى «ترشيد» الصرف على الأولويات، ولكن قبل ذلك نحتاج إلى أن نحدد ماهية أولوياتنا.. نحتاج وبشدة إلى التخطيط والتخطيط ثم التخطيط!!
   
   reyami@emaratalyoum.com
طباعة