أقول لكم - الإمارات اليوم

أقول لكم

محمد يوسف

مع بداية توافد الأوروبيين ، وخصوصاً الإنجليز، من أصحاب «البدلات» وربطات العنق، والأحذية البراقة، وظهور «البايب» والقبعات ، وانتشار نوع جديد من الهنود المختلفين عن «البانيان» والتجار المسلمين بزيهم البنجابي المميز، ومرافقة الهنود الجدد من متعلمي «بومبي» و «دلهي» للإنجليز القادمين للبحث عن النفط في المنطقة، مع كل ذلك تكونت صورة أخرى لهؤلاء وهؤلاء ، فالإنجليزي ليس هو ذلك العسـكري الذي يرى بين الفينة والأخرى بزيه وسـلاحه وسيارته «اللاند روفر» الخضراء، بل هو رجل مبهر يشـبه «كلارك غيبل» وغيره من الممثلين الذين يظهرون في الأفلام الواردة حديثاً إلى المنطقة، والهندي ليس ذلك القابع في محل بيع البهارات أو الذهب والعطور، ولكنه موظف ومحاسـب عند الإنجليز، يلبس مثلهم ويتحدث بلغتهم.

 
كل ذلك شـكّل تحولاً في وقته بأذهان الناس، وكثيرون انبهروا بمظاهر التحضر لدى الغرب، ونظر بعض ميسـوري الحال إلى أبنائهم وهم يلعبون على شـواطئ الخليج ، وتمنوا لو أنهم يرونهم ذات يوم وقد أصبحوا مثل«الأصحاب» أو رفقائهم ، يضعون قلماً مذهباً في جيب معطفهم، ويمشـون«الهوينا» ببدلاتهم الصوف «وارد إنجلند» ويخشون أن يخدش التراب أحذيـة «باتا»، ويركبون سـيارة «موريس» أو «هولدن» وتتلاعب ألسـنتهم بكلمات لا يفهمها غير «مسـتر أندرسون» وأصحابه، وكان لابد من أن يكون هناك من يتخذ الخطوة الأولى، فكان ذلك الثري الذي سـبق له أن وصل إلى بيروت ودمشق والقاهرة مروراً بالبصرة وبغداد، وقرر أن يرسـل ابنه البكر إلى لـندن، هناك حيث المنبع ليتعلم اللغة ويتحضر بعد أن أنهى الصف السادس وقبل في التدريس، فالخير كثير، وهو لا يرى مسـتقبلاً أفضل من العمل مع «الشـركة» بعد أن يتمكن من لغة أهلها.
 
 وفي ذلك الزمان كان الوصول إلى لندن من الخليج يعني ركوب سـفن خشـبية وبعدها بخارية، والنزول في موانئ تلو موانئ، وعبور صحارى وفيافي، وقطع أنهار وبحار، وربما تحتاج الرحلة ذهاباً إلى شهر أو أكثر،
 
 وذهب الرجل بابنه متلفتاً على المدارس والجامعات العربية وكأنها شـيء من الماضي، وبعد قرابة ثلاثة أشـهر عاد الرجل إلى بلدته، ومعه ابنه فظن الناس أن أحدهما ربما لم يحتمل بعد الآخر، إذاً هي العاطفة العربية الجياشـة أعادت الولد وأضاعت الأمل، وقال آخرون ربما هي تكاليف الإقامة والدراسة التي أفشـلت المشروع الحلم. وعندما سـئل الأب تبسّـم وقال لأصحابه «لا هـذا ولا ذاك، فقد كنت جاداً وقابلاً» بفراق ابني ودفع مصاريفه، ولكن ما أن وطأت قدماي ميناء الإنجليز حتى اكتشـفت شـيئاً جعلني اتخذ قرار العودة بالولـد.. وسـكت الرجل.. ثم قال «يا جماعة الخير، الحمّالين في الميناء يتكلمون إنجليزي».   

myousef_1@yahoo.com
طباعة