عائلة الشهيد البستكي تخلّد ذكراه بالإبداع - الإمارات اليوم

الزوجة والابنة: نعبّر من خلال الرسم والكتابة عن فخرنا بشهداء الوطن

عائلة الشهيد البستكي تخلّد ذكراه بالإبداع

صورة

بابتسامة يعلوها الفخر تستقبلك زوجة الشهيد محمد البستكي، نورة الحوسني، وأم فاطمة (14 عاماً) و(علي)، التي كرّست حياتها لابنيها، وطيف زوجها الشهيد لا يفارقها، الذي وصفته بالزوج المحب والأب الحاني، وقد استطاعت عائلة الشهيد أن تخلد ذكراه بالإبداع والفن، فتارة بالرسم وأخرى بالكتابة، وكانت الأم مشجعة لابنتها على تنمية موهبتها في الرسم والعودة إلى الفرشاة لتواجه تلك اللحظات وتتغلب على دموعها، موضحة أنها وأبناءها عاشوا في كنف زوجها الراحل حياة سعيدة، ولا تنسى اليوم الذي ودّعهم فيه إلى مهمته، فقد تحدّث كثيراً عن الوطن وترك في ذاكرة أبنائه ما يشبه الوصية، كأنما كان يشعر بأنه آخر لقاء بينهم، مضيفة أنه «كان لوجود شيوخ دولتنا في بيتنا يوم تلقّينا خبر استشهاد زوجي الأثر الطيب الذي زادنا قوة وفخراً وعزيمة، بالمضي قدماً نحو تخليد ذكرى الشهيد، والصبر على هذا الفقد بطرق مختلفة».

«كنت معي»

قالت نورة الحوسني لـ«الإمارات اليوم»، التي أصدرت روايتها الأولى، أخيراً، وحملت عنوان «كنت معي»، إن «الكتابة لا يختلف تأثيرها عن الرسم، وقد استطعت من خلال روايتي التي تمزج بين الحقيقة والخيال، أن أترجم مشاعري بالكلمات».

وأكدت الحوسني أن «الاختبار الأكبر والأصعب في مواساة ابنتي فاطمة المتعلقة كثيراً بوالدها، فهي رسامة ماهرة، تعشق رسم الطبيعة، وتحديداً الزهور، فوجدت أن أفضل طريقة لتتصالح مع تلك الحالة وتعبّر عنها، هي بالعودة إلى الرسم، وقد نجحت وتغيرت نفسيتها، ولجأت إلى الفرشاة والألوان لتحكي عن والدها عبر لوحاتها». وأضافت: «ولتشجيعها قمتُ برسم أول لوحة لي خلّدت فيها أسماء الشهداء، ورسمت واحة الكرامة وصرح الشهيد، وفي الخلفية مسجد الشيخ زايد»، مؤكدة أن «هذا العمل كان وسيلة للتغلب على حالة الفراق، وأذكر تماماً وأنا أرسم كل تفصيلة ودموعي تنهمر، كأنها تغسل مشاعر الحزن وتحوّلها إلى مشاعر فخر بهذا الرجل الذي لم يعد صورة فحسب، بل حياة كاملة نابضة، فاسمه يذكر كل يوم وكل لحظة، وهذا أجمل شعور بأن ترك بصمة خالدة».

أشتاق إلى أغانيه

وشاركت فاطمة الحديث قائلة لـ«الإمارات اليوم»: «أشتاق إلى أغانيه التي كان يغنّيها لي، وطريقة فتح ذراعيه ليقول لي هلمّي إلى حضني»، مضيفة أن «حضوره طاغٍ حتى بعد رحيله، وهذا الحضور المقترن بأعظم تضحية، وهي الشهادة من أجل الوطن، هو عزاؤنا، فكل من يعرفه ومن لا يعرفه يتحدث عنه، لذلك أشعر به كثيراً». وأوضحت فاطمة أن «وقت رحيله لم أستطع الرسم، واعتزلت ألواني إلى أن حمّستني أمي وأصرّت على أن أعبّر عن حبي لوالدي من خلال رسومات، وكانت هذه الخطوة طريقة التعافي، ومعرفة معنى أن يكون والدي شهيداً مضحياً بروحه فداءً للوطن الذي أحبّه ولم يحب شيئاً أكثر منه، لذلك كانت لوحتي عبارة عن تجسيده شهيداً يقدم باقة ورد إلى مواطن، وراية الوطن مرفوعة لا تنكس أبداً». واستطردت «نعم لا يوجد أغلى من الوطن، وتضحية والدي هي أسمى التضحيات، وسأعمل جاهدة لأكمل مسيرته وأكون جزءاً من مهمات إنسانية تجاه شعوب العالم، لرفع راية البلاد عالياً في كل مكان».

نظرة فخر

كانت الأم نورة تنظر إلى ابنتها بعز وفخر وهي تسمع حديثها، فتقول: «هذه هي ابنة الشهيد التي أتمنى أن تصبح يوماً ما سفيرة لبلادنا الإمارات في المهمات الإنسانية، أما ابني علي فيشعر بالاعتزاز والفخر لأن أباه في الجنة». وهنا دخل علي الطفل الصغير الذي كان متحمّساً، وهو يقول: «في يوم العَلَم اختارتني مدرستي لأرفع العلم، لأنني ابن الشهيد محمد البستكي»، وأضاف: «والدي في الجنة لأنه شهيد».

رفيق الدرب شهيداً

تحكي زوجة الشهيد عنه فتقول: «كان رفيق دربي، علمني وشجعني، ولعله فعل ذلك لأقوى على مواجهة تلك اللحظة. وأصبحت الآن أمشي في ظله. كان السند الأقوى الذي لا يكل ولا يمل من أجل وطنه ورسالته أولاً، ومن أجلي وأجل عائلته وأهله ثانياً. وفجأة أصبحت محاطة بجميع الأهل والأحبة والأصدقاء، لكنني وحيدة.

كامرأة كان علي أن أبحث عميقاً لأكتشف مصدر قوتي، وبرحيله كما بحضوره كان يزودني بتلك القوة والشجاعة.

لقد غيرت هذه الفاجعة الأليمة حياتي، لكنها صنعت مني إنسانة أقوى، فقد حاولت أن أخرج الألم الذي استوطن قلبي ومشاعري، بذكر الله والدعاء الدائم وبالكتابة، وبأحاسيس ومشاعر رسمتها في لوحة وعلقتها على حائط أمام عيني، أنظر إليها كل يوم لتكون ذكرى خالدةً تشرق زواياها بواحة الكرامة. وفي غياب الرجل العائلي القدوة، تتدفق في العروق قوة المرأة الأم، والزوجة والأخت والابنة، في غيابه ظل حاضراً في كل خلايانا، فما المرأة سوى خلاصة الحياة؛ تعطي وتهب وتصارع وتتحدى. وقد غدوت أكثر من ذلك، فأصبحت زوجة لشهيد، لأكون أكثر من أم، فأصبح الأم والأب والحارس وصاحب القرار الأول وأعمل وأتحدى أكثر. كان علي أن آخذ بأيدي أولادي بعد فقدان أهم سند لهم، وأحتويهم كما تحتوي الأم العظيمة الإمارات جميع أبنائها. وبعد فترة كان كل يوم يمر كعمر وكل دقيقة كدهر، انتبهت وتذكرت نفسي، تذكرت كيف كنا فريقاً، فقد كان يشجعني في إدراك ذاتي، ومعرفة نفسي والعالم؛ فقررت أن أكمل دراستي التي كان دوماً يحثني عليها، وأتجه للدكتوراه هدية لوطني الغالي».

طباعة