« ثورة الياسمين» حضرت في «أمير الشعراء».. وموريتانيا فقدت آمالها بالإمارة

العرسان أول المتأهلين إلى المرحلة الثالثة

مهدي العرسان من العراق وفرحة التأهل. من المصدر

بات الشاعر العراقي نجاح مهدي العرسان أول الشعراء المتأهلين إلى المرحلة الثالثة من مسابقة «أمير الشعراء» في دورتها الرابعة، بعد أن حصل على بطاقة التأهل من لجنة تحكيم المسابقة في ختام الحلقة التي عرضت أول من أمس، على قناة أبوظبي الاولى. بينما أعلن مقدم البرنامج باسم ياخور تأهل الشاعرين قاسم الشمري من العراق، وعلا برقاوي من فلسطين من شعراء الحلقة السابقة بعد حصولهما على اعلى نسبة من تصويت الجمهور، لتكتمل بهما قائمة الـ15 شاعراً الذين انتقلوا إلى المرحلة التالية، بينما خرج الشاعر الموريتاني الوحيد في المسابقة الشيخ التيجاني شغالي، وبذلك تفقد بلده طموح حيازة بردة الشعر وإمارته للمرة الثانية.

«ثورة الياسمين» وأشعار نزار قباني، كانا مصدران استلهم منهما شعراء الحلقة قصائدهم. في المقابل، انتهجت لجنة تحكيم المسابقة التي تضم د. صلاح فضل من مصر، د. علي بن تميم من الإمارات، د. عبدالملك مرتاض من الجزائر، نهجاً مغايراً يعتمد على أن يتولى احد اعضائها التعليق باستفاضة على قصيدة شاعر من الشعراء، في حين يكتفي الآخرون بتعليقات مقتضبة، وهو امر قد يقلل من التنوع الذي كان يخلقه النظام السابق الذي كان كل عضو في اللجنة يقدم رؤيته للقصيدة المقدمة، ربما يكون من الأجدى أن يتولى كل عضو من اللجنة التعليق على جانب من جوانب القصيدة مثل اللغة والصور الجمالية والموضوعات والأغراض التي تتناولها، بما يحقق الفائدة للمشاهدين المتابعين للحلقات، وينشر جوانب متعددة من الثقافة العربية وجماليات اللغة العربية وقدراتها بين الحضور.

«الحافي»

ثورة تونس التي عرفت باسم «ثورة الياسمين» من قبل الشعراء لم يكن تناولها متشابهاً، ففي قصيدة الشاعر علي النحوي التي حملت عنوان «الحافي» جاء تناول القضية مباشراً، كما أشار فضل قائلاً «لا أظن أن الثورة التونسية كانت للجياع والعراة، بل كانت بالدرجة الأولى للحرية والديمقراطية، فليس بالخبز وحده، ولا بالنعال وحدها تعيش الشعوب، إن مجتمعاتنا تحتاج إلى شعر ليس مباشراً بهذه الدرجة، وإنما إلى شعر أكثر ذكاء ورهافة، وأنت قادر على ذلك». وأشار بن تميم إلى طول القصيدة وافتقارها للتكثيف، وتناولها لألفاظ قديمة بأسلوب مصطنع.

وهوما اتفق معه مرتاض في الرأي الموسع الذي قال فيه «موضوعك جديد، لكنك قدمته بشكل قديم، وبين القديم والجديد شحُب وجه الجمال الفني في هذا النص الشعري الذي كان يمكن أن يكون أطفح بالشعرية مما قدمت، وليتك لم تستلب هذا النص القصير من النص الأصلي الطويل، حتى لا يبدو أن القصيدة تنقصها الوحدة العضوية، لأن البنيان المرصوص إذا نزعنا منه حجزاً مركزياً فإنه يتهاوى، وأنت بهذا الموضوع جئت تبني برجاً ناطحاً للسحاب بفأس وطوب وتراب، خصوصاً أن البحر البسيط لا يساعد على تقديم العواطف الجياشة التي تحملها، وحبذا لو أنك بقيت كما كنت في نصك الذي قدمته في بداية المسابقة، لكن نصك حقيقة جميل، ومملوء بالصور الجميلة، وأهنئك على هذه اللغة الشعرية الأنيقة والسليمة».

ثورة بلا «كليشيهات»

الشاعر الفلسطيني محمد سليمان أبونصيرة استلهم بدوره «ثورة الياسمين» موضوعاً وعنواناً لقصيدته، وبأسلوب مرهف وبشعرية حقيقية، كما أشار فضل، معتبراً أن القصيدة «قاربت الموضوع رغم سخونته، بشبكة من الأخيلة الفاتنة، فالثورة روح تتطلع للمجهول، ويد بيضاء لا يعرف أحد كيف تكتب مطلعها، ومن المفاجآت المدهشة أنه لا يستطيع أحد أن يتوقع مطلع أية ثورة، ثم إنك توظف ألوانك من دون أن تستخدم الكليشيهات التقليدية في الذاكرة العربية، ومن دون استدعاء كليشيهات جاهزة، وهذا شعر نقي، مفعم ببراءة الصدق، وبساطة الرمز، ورهافة الشعور، ما يجعل مستمعك يتفاعل مع اللحظة الشعرية الجميلة، ومع الثورة البيضاء في مفرداتها الطبيعية، وصبغتها الإنسانية، ووجهتها المستقبلية».

بن تميم أشار إلى البعد التصويري والدرامي الموجود في القصيدة، وقال «أعتقد أن من يكتب في حدث لابد أن يكتب قصيدة غير مؤقتة، وأشعر أن هذا النص أُقحم الحدث إقحاماً فيه، كما أني لم أجد في النص حضوراً حقيقياً لتونس إلا في بيت واحد، وفي النص أيضاً أصوات عدة تبدأ بصوت ينطلق من ضمير المتكلم، ثم يتكلم بضمير الجماعة، ثم بضمير المثنى». واختصر مرتاض كلامه قائلاً «الغيث إذا أصاب أرضاً خصيبة أمرعت واخضر كلؤها، وكذلك هذا الموضوع صادف منك قريحة خلاقة فأبدعت وأدهشت».

«معراج» متكلف

أطياف الشاعر الراحل نزار قباني بدت في قصيدة الشاعر الزبير دردوخ «معراجٌ على جناح قصيدة» وأشار فضل إلى أن «القصيدة نزارية من الطراز الأول، ولعلك تذكر هذا بدءاً من المطلع، فأنت تستعين به من قصيدة نزار في رثاء طه حسين «ضوء عينيكَ أم هما نجمتان؟»، وأنت تجعلها «بوح عينيك أم هما مرفآن»، لكن تجربتك رومانسية، وتختلف عن تجربة الرثاء النزارية، تجربتك شفافة ومفعمة بالمشاعر، ومن ناحية التصوير كنت تحاول بناء مجموعة من الصور فتبحر على جناح قصيدة ويسبح خيالك في أنهر المعاني، موظفاً شراع الحروف وهذا لطيف، لكنك تتحدث بمفردات تقليدية في اللفظ والمعنى، وهما ما يرميانك خارج الزمان، وتكرر فكرة الزمان ونهايته وحدوده، وتعيد الكلمات ذاتها، ما يوحي بأن معجمك الشعري إلى حد ما محدود، وتظل تشرب من ماء الوجدانيين العرب، ثم تعود مرة ثالثة لفكرة الخروج من الزمان والخروج من المكان، غير أنك تختم القصيدة بكلمة لا تتسق مع هذا الإطار الشفاف الرومانسي، كلمة متداولة في الدراسات النقدية، وهي «الزمكان»، وإني أجد في عشقك بعض التكلف، وخيالك الجميل فيه قدر من التوهم، لكن شعرك عذب الإيقاع».

واستعرض بن تميم رأيه النقدي سريعاً فقال «كنت في القصيدة السابقة تحب أن تطير كعباس بن فرناس، وفي هذه القصيدة تحب أن تسبح كالسندباد، لكنك لم تعد بصيد موفق، فقد كان صيداً لا يسمن ولا يغني من جوع». وختم مرتاض برأي قصير معاتب «وددت لو أنك كتبت نصاً في مستوى نصك السابق الذي قدمته في الحلقة الماضية، لكن يبدو أن تلك الإبداعية لا تتكرر إلا نادراً، وليس بوسع الشاعر أن يتحكم فيها».

«اشتعالات» الزراعي

«اشتعالات في حرم الأنثى» هو عنوان قصيدة الشاعر عبدالعزيز الزراعي، التي اعتبرها بن تميم تذكر بمطلع قصيدة نزار قباني «أين وجه في الأعظمية حلو/ لو رأته تغار منه السماء؟»، لافتا إلى استفادة الشاعر من اللغة، رغم أن هناك نوعاً من التنامي البطيء، كما اعتبر ان العنوان غير شعري، وأضاف «عموماً تبدأ القصيدة بالشكوى، وتنتهى أيضاً بالشكوى، وأنا لا أريد أن أشكو»، في حين تساءل مرتاض «هل أصبت بعدوى الاحتراق والاشتعالات؟، أرى أن نصك هذا يمثل تجربة عاطفية شخصية بسيطة لم يرقَ تصويرها إلى قمة الإبداع الشعري المدهش، ومع ذلك توجد في نصك لمحات وصور جميلة».

«ثلج» العرسان

بعنوان «فرصة الثلج» جاءت قصيدة الشاعر مهدي العرسان، التي قال عنها بن تميم نحتاج (فرصة الثلج) حتى نبني عالماً واسعاً من ذواتنا، وأردف «طه حسين قال عن بعض الأدباء الذين يفكرون بالآخر أكثر مما يفكرون بأنفسهم حتى أطمعوا الناس فيهم، وأصبحوا عبيداً للجماعة، وخدماً للقراء، وإذا جاز لي أن أضيف هنا فإنني أقول: لم تكن إلا أصوات فرديتك الرائعة والجميلة، وبغنائيتك كنت تحاول أن تعلي من شأن الذات، تلك التي تكمن فيها فكرة التغيير والمراجعة وإعادة قراءة تاريخنا، وكنت تحاول خلق انزياحات كبرى في هذا النص، وبالفعل أنجزت قصيدة مكثفة تتفق في بنيتها مع فكرتها، تلك القصيدة القصيرة جداً بشكل جميل، وأضفت (سكر قبلة بدمي مرقعة شبابي/ لأعود طفلاً كلما سرحت خرافك عند بابي/ علمتني كيف العذاب وكيف أولد من عذابي)». وأضاف بن تميم «لقد أوجدت الحياة التي فقدها أبوفراس الحمداني، ولا شك أن استدعاءك له في هذا القصيدة كان رائعاً، وهو الذي يقول: «بنيتي لا تجزعي كل الأنام إلى ذهاب»، أما أنت فقد ولّدت وأنجزت من ثمرة العذاب ما لم يستطع أبوفراس أن ينجزه، فتمسك بغنائيتك، واسمع ما نهى عنه طه حسين، «وهو ألا نكون خدماً للقراء». واستهل مرتاض رأيه من الشطر الذي يقول فيه العرسان «لأعود طفلاً كلما سرحت خرافك عند بابي»، وأضاف «قصيدتك جميلة ورائعة، فيها سوريالية ورومانسية، وعواطف جائشة، وصور شديدة التكثيف».

أما فقرة التخميس، التي وصفها بن تميم بأنها محاولة لإحياء شكل من أشكال الشعرية العربية التي كانت مورداً لنشر الأبيات الأصيلة، إذ تعتمد على «فن التخميس» وهو أن يأخذ الشاعر بيتاً لسواه، فيجعل صدره بعد ثلاثة أشطر ملائمة له في الوزن والقافية، بمعنى أن يجعله عجُز بيت ثانٍ، ثم يأتي بعجز ذلك البيت بعد البيتين فيحصل على خمسة أشطر، ومن هنا جاءت التسمية وربما نظم الشاعر قبل البيت الأصلي أربعة أشطر أو خمسة أو ستة أو أكثر، لكن حين يكون ستة أشطر يصبح الفن تسديساً. ثم طلب من المتنافسين الخمسة «التخميس»، خلال فترة لا تتجاوز 10 دقائق، على بيتين للشاعر المخضرم عمرو ابن الأهتم، وهما:

وكل كريم يتقي الذم بالقـــرى وللخــير بين الصالحين طريق

لعمرك ما ضـاقت بلاد بأهلها ولكن أخــلاق الرجـال تضيق.

طباعة