الفنان المذيع.. ظاهرة تغزو الشاشة

يسرا تقدم برنامج «العربي». أرشيفية

الفنان والمذيع، ثنائية فرضت نفسها على الساحة في السنوات الأخيرة في ظل الوجود المتزايد لنجوم الفن على الشاشات العربية بصفة مذيعين ومقدمي برامج على اختلاف أنواع وتخصصات هذه البرامج. هذا الاتجاه الذي أرجعه كثيرون في بداية الظاهرة إلى رغبة الفنانين في الوجود على الساحة ومع الجمهور في وقت كانت الأعمال الدرامية أقل عدداً من ان تستوعب الجميع. لكن على الرغم من الزيادة الكبيرة في أعداد المسلسلات، ظل اتجاه الفنانين للتقديم يتزايد أيضاً، بل والطريف ان أغلبية النجوم الذين يقومون بذلك، يوجدون بشكل سنوي في المسلسلات، خصوصاً الرمضانية منها. وهذا يشير إلى ان الوجود لم يعد هو المبرر دائماً وراء اتجاه الفنانين، خصوصاً بالنظر إلى الأجور التي يحصلون عليها مقابل ذلك. ورغم ذلك لا يشير أي من الفنانين أصحاب تجارب التقديم إلى الإغراء المادي ودوره في دخولهم عالم تقديم البرامج.

الظاهرة المزدوجة للتمثيل والتقديم التلفزيوني، وجدها البعض دليلاً على ما يتمتع به الفنان من جماهيرية، ورغبة القنوات الفضائية في الاستفادة من نجاحه. واعتبرها آخرون أمراً طبيعياً، مثل الفنان السوري عباس النوري الذي يعد احدث الفنانين الذين انضموا إلى عالم تقديم البرامج. اذ اعتبر انه ليس هناك ما يمنع الفنان من خوض التجربة طالما امتلك «الكاريزما» والمؤهلات التي تمكنه من النجاح. ولفت إلى ان هناك فنانين حققوا نجاحاً كبيراً شكل إضافة مهمة في مشوارهم الفني والجماهيري.

النوري الذي يطل على الجمهور من خلال برنامج غير معتاد، ومن المتوقع ان يكون موضوعاً لكثير من الجدل وهو «لحظة الحقيقية»، الذي سيذاع على قناة «إم.بي.سي.4»، لما اتسمت به نسخته الأميركية من جرأة شديدة لا تتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا العربية، لم يبد قلقاً من طبيعة برنامجه. وقال النوري إن البرنامج في نسخته العربية يلتزم بخطوط حمراء تتمثل في «التابوهات» الثلاثة: «الدين، والجنس، والسياسة»، كي يخرج على مستوى مقبول، مؤكداً «اننا في مجتمعاتنا العربية نحتاج إلى مثل هذه البرامج كي نتجرد من عيوبنا».

أما الفنانة المصرية يسرا التي تقدم برنامج «العربي» على قناة ابوظبي الأولى، فلم تخف شعورها بالقلق والخوف من التجربة، خصوصاً ان البرنامج يحمل طابعاً ثقافياً خاصاً، وتستضيف خلاله عدداً من الشخصيات العامة في مجالات الثقافة والأدب والسياسة والاجتماع وغيرها. وقالت يسرا انها تعاملت مع البرنامج بروح المشاهد الذي يسعى للبحث والمعرفة عن كثير من الأمور والقضايا التي ترتبط بحياته، وحرصت على ألا تتقمص شخصية المذيع المثقف الذي يلم بكل هذه الأمور، ولعل هذا الأمر شكل نقطة ايجابية لمصلحة البرنامج.

الفنان السوري باسم ياخور أيضاً، كانت له تجربة مع برامج المنوعات من خلال برنامجه «مساكم باسم»، ولكنها لم تحظ بالانتشار عربياً على نطاق واسع، لأن البرنامج كان يعرض على القناة السورية، رغم ما حققه ياخور من نجاح في هذه التجربة، عزاه كثيرون إلى ما اتسم به الفنان من عفوية وبعد عن التكلف خلال التقديم. الخطوة التالية في هذا المجال لياخور جاءت من خلال برنامج له طبيعة خاصة جداً تبتعد كثيراً عن برامج المنوعات، وهو برنامج ومسابقة «أمير الشعراء»، ولكن على عكس «مساكم باسم»، افتقد ياخور في تجربته الجديدة إلى العفوية ومال إلى التكلف، ربما يرجع جزء من ذلك إلى إحساسه باختلاف البرنامج عن غيره من البرامج الأخرى، وقد يكون لمكان البرنامج تأثير في ذلك، إذ يتم تقديمه من مسرح ضخم هو مسرح شاطئ الراحة ووسط ديكورات أندلسية تتسم بالفخامة، ما دفع ياخور إلى الاتجاه إلى الأداء المسرحي الذي يوحي بالتكلف.

محمد سعيد حارب يقدم برنامج «المضيف». تصوير: أسامة أبوغانم

المخرج الإماراتي محمد سعيد حارب، الذي حقق نجاحاً واسعاً من خلال حلقات مسلسل «فريج»، اتجه أيضاً لمجال التقديم عبر برنامج «المضيف» الذي يقدمه على قناة «سما دبي». وقال ان «دخول الإعلامي لمجالات جديدة أمر طبيعي، لأنه خلال عمله يقوم بأدوار مختلفة قد لا تظهر بوضوح أمام المشاهد، والتقديم يمثل فرصة لإبرازها».

ولكن على الجانب الآخر، يبرز تساؤل عما قدمه فعليا نجوم الفن، من خلال البرامج التلفزيونية، الى الإعلام. والإجابة تأتي من خلال آراء اكاديميين وإعلاميين، وجدوا ان «الظاهرة حملت كثيراً من الآثار السلبية إلى الساحة الإعلامية، حيث أصبحت برامج المنوعات التي تعتمد على الألعاب والمسابقات الخفيفة، هي الأكثر رواجاً على القنوات العربية، بينما اتجهت البرامج الحوارية التي يقدمها فنانون إلى التسطيح والاعتماد على الأسئلة السهلة، لتتحول إلى ما يشبه جلسات السمر او النميمة أحياناً»، مشيرين الى تراجع البرامج الحوارية الجادة التي تتطلب محاوراً جيداً متمكناً من أدواته، ولديه الخبرة والدراية بالعمل الإعلامي وأصوله وقواعده.

ولم يخف مختصون في الاعلام مخاوفهم من تنامي هذه الظاهرة في السنوات المقبلة، ومن بينهم الأستاذ في قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الأميركية في القاهرة، الدكتور حسين أمين الذي اعتبر «ما يحدث الآن ليس حرية إعلامية، بل فوضى إعلامية، فالحرية مسؤولية وعلى من يتقبل تحملها أن يكون جديراً بها أو يتركها لأصحابها». وتوقع «حدوث حروب إعلامية على جميع المستويات سواء الثقافية أو السياسية أو الرياضية»، مرجعاً انتشار الظاهرة وتزايدها إلى «رغبة القنوات الفضائية في شغل ساعات البث لديها، ومنافسة القنوات الاخرى دون النظر إلى الرسالة المقدمة».

طباعة