تونس ومصر.. حكايات من الوجع اليومي

«فلاش باك» الذاكرة مهرب من الأحزان اليومية. تصوير: محمد منور

هل ثمة مهرب من أحزاننا اليومية؟ ما سُبل الخلاص والتملص من تلك التفاصيل الموجعة التي تعبر حياتنا؟ تنخر فيها لتخلق منا في نهاية المطاف كائنات هشة على حافة الانهيار، هل علينا التصالح مع ذلك الوحش الذي نسميه الوجع؟ أم أن كل ما نحتاج إليه مجرد لحظات قصيرة لنسترد فيها أنفاسنا، شيء من الهدوء، والزمن المسروق على غفلة من سياقنا المأساوي، فقط لنرتاح قليلا، ولنروي لكم أصل الحكاية وفصلها.

تصلح هذه الأسطر أن تكون مقدمة بسيطة لعوالم عروض اليوم السادس من مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما الذي يختتم فعالياته اليوم بالعرض السعودي «المعطف»، مسدلا الستار على الدورة الرابعة من هذه التظاهرة المسرحية الخاصة والمتفردة باحتفائها بفن الممثل الواحد، وبشكل خاص وصعب من أشكال المسرح.

في اليوم السادس، ارتحل الجمهور بين تونس ومصر، وبين شكلين مسرحيين مختلفين، فبينما مضى العرض التونسي الذي حمل عنوان «فلاش باك» تأليف وتمثيل آدم العتروس، وإخراج حسام الساحلي الذي شارك أيضاً في كتابة النص، إلى شكل خاص من أشكال الفرجة المسرحية التي تخلط بين فن «المونو»، والفنون الأدائية التي تقوم عادة على «السكيتش»، اشتغلت سما إبراهيم مؤلفة ومخرجة وممثلة عرض «كارمن» على تجربة مسرحية مكثفة لم تتجاوز الـ25 دقيقة، لكنها كانت كافية جدا لوضعنا على تماس مباشر مع وجع شخصي نسوي ربطته بسياق تاريخي لهذا الوجع وتحديدا مع شخصية كارمن، تلك الغجرية الحرة المتعالية التي علقت قصتها عبر الزمن وتحولت إلى أكثر من شكل إبداعي لعل أبرزها أوبرا كارمن الشهيرة التي ألفها بروسير ميرميه.

ذاكرة الوجع

اختصر العرض التونسي «فلاش باك» مواجع شاب تحاصره حياته وتضغط عليه تفاصيلها لتضعه على حافة هذيانية، وليبدأ هذا الشخص البوح والكلام في رحلة أدائية مميزة استحضر فيها شخصيات لا تخلو من الغرابة مرت في حياته، من سنوات طفولته وحتى اللحظة الراهنة.

يضعنا هذا العمل أمام الكثير من المقولات عن عشرات الأشياء التي تخلق منا في نهاية كائنات مشوهة مأزومة. ويقترب من مواجع صغيرة ومؤثرة لشخصية تفتح أوراقها على الخشبة وتحكي حكايتها وكأنها تبحث وسط هذا الصخب كله عن لحظة سكون يمكنها أن تجعل هذه الشخصية في مأمن من ذلك الضغط اليومي الذي لا يتوقف، ومن خلال هذه الشخصية نعيش حكاية مجتمع كامل، وقراءة تأخذ شكل السخرية من هذا المجتمع والتحولات التي شهدها.

كنا في هذا العرض أمام ممثل ممتع يمتلك من الأدوات الجسدية والصوتية ما يكفي لتقديم فرجة شيقة، وراح العتروس يتنقل بين حكاياته وقصصه التي جاءت على شكل لوحات منفصلة يربطها خيط درامي ولعبة بصرية تحيك هذه اللوحات وتمسك بمناخاتها المتنوعة، وتدعم فعل الذاكرة والتخيل الذي يقدمه العتروس بقدرة كبيرة على التشخص الكاريكاتوري للشخصيات التي يعرضها للجمهور الذي استقطبه العمل وعاش معه مجموعة من الحكايات الاجتماعية المثيرة للضحك.


 
الفجيرة مقراً ثانياً للهيئة الدولية للمسرح
قرر المجلس التنفيذي للهيئة الدولية للمسرح، اعتماد مدينة الفجيرة مقرا عالميا ثانيا، بعد مكتب اليونسكو في باريس، وسيعمل مقر الفجيرةعلى تمكين وتقوية أنشطة الهيئة الدولية للمسرح، من خلال موقعه المتوسط بين قارات إفريقيا وآسيا وأوروبا، حيث ينظم ويخدم بشكل استراتيجي كل الاجتماعات والبرامج العالمية والإقليمية، ويسعى إلى تأسيس المراكز الجديدة في العالم والدول المجاورة. وقرر المجلس التنفيذي تنظيم مؤتمرات للمراكز العالمية الجديدة والقائمة في الفجيرة، والخرطوم ودكا وساوباولو .

بوح أنثوي

بتكثيف بصري وموضوعي قدمت الفنانة سما إبراهيم تجربة على مبدأ «خير الكلام ما قل ودل»، ومن هنا جاءت هذه التجربة التي تستند إلى حكاية كارمن الشهيرة، لتؤسس من وجع هذه الغجرية المتمردة سياقا تاريخيا متواصلا لمعاناة امرأة أوجاعها، استطاعت هذه الفنانة اللعب في فضاءين زمنيين يقومان على ربط اللحظة الراهنة وأوجاع العاملة التي تنظف المسرح قبل دقائق من بدء عرض مسرحية كارمن، وأوجاع كارمن الحقيقية، وفي لحظات تختلط علينا اللعبة ويتوحد الوجع الأنثوي لنصير أمام ذلك البوح وتلك الحكايا والتفاصيل النفسية المتداخلة بطريقة ممتعة.

جماليات هذا العمل تكمن في خلطته العامة، وفي التوليفة الإعداية للنص، وللشكل البصري البسيط القائم على خلق مناخ حميمي بين الخشبة والصالة، إضافة إلى أداء سما إبراهيم الذي يستفيد من طاقتها التعبيرية وامتلاك أدوات عدة من أدوات التوصيل، ونقل مضامين هذه التجربة التي تقوم على جملة من التحولات النفسية والانتقال بين الأزمنة.

طباعة