تحية لتاريخ المسرح من الفجـيرة

العرض الافتتاحي للمهرجان جاء بنكهة خاصة. تصوير: محمد منور

أشياء صغيرة تصنع الفرق، فكيف إن كانت كبيرة؟ وكيف يمكن لليل مدينة هادئة أن يصير، حين يضاء بنور المسرح، ووهج لقاء عشرات المسرحيين والنقاد من أرجاء العالم في مهرجان مسرحي انتقته الفجيرة بعناية شديدة، وصار علامة فارقة ومتفردة في الحراك الثقافي الإماراتي والعربي، خصوصاً أنه يفتح ذراعية للمونودراما «فن الممثل الواحد»، هذا الفن الإشكالي المُختلف عليه، والذي قررت هذه المدينة احتضانه، وأن تكون نواة لدعم هذه النوع المسرحي والاحتفاء به، واستضافة أبرز عروضه العربية والعالمية، وتأسيس مسابقة دولية لتأليف نصوصه.

يستضيف المهرجان في دورته الحالية 15 مسرحيا و250 كاتبا ومخرجا مسرحيا ونجوم تمثيل، يمثلون نحو 42 دولة عربية وأجنبية، وقد أعطته الانتقائية منذ دورته الأولى خصوصية وفرادة عن غيره من المهرجانات المسرحية العربية، وأعطته ميزة الارتباط باتجاه مسرحي على درجة من الخصوصية والفرادة. ولعل أبرز ما فيه أنه يحتفي بالممثل، وينتصر لشريحة واسعة من المبدعين الذين لا تسلط عليهم الأضواء عادة، إلا أضواء خشبات المسارح التي يعملون فيها بصمت.

ومن هنا، جاء احتفال هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، أول من أمس، بانطلاق الدورة الرابعة من المهرجان الذي يقام كل سنتين، وله نكهة مختلفة، خصوصاً أنه راهن على أن الاحتفاء بالمسرح لابد أن يكون بفعل مسرحي يتجاوز رسميات حفلات الافتتاح، ويأخذ الجمهور الكبير الذي توافد إلى نادي «تنس الفجيرة» في رحلة بصرية تنوعت فيها عناصر الفرجة، وانتقلت بين عوالم إيمائية وايقاعية وفكرية واستعراضية لشباب فرقة «سما» الراقصة التي أكدت من جديد مهارة أعضائها وطاقة أفرادها وحرفيتهم.

لقاء الأحبّة

كان حفل افتتاح المهرجان فرصة للقاء الأحبة والنجوم، فما إن انفض الحفل حتى تحول نادي تنس الفجيرة إلى ساحة للعناق، أينما نظرت ثمة تجمعات صغيرة لمسرحيين ونجوم، ضحك وكلام. وكان الأمر فرصة للجمهور الكبير الذي كان في المكان لالتقاط الصور الفوتوغرافية، والاقتراب من نجوم لا يرونهم إلا على الشاشة، أو في مثل هذه المناسبات.

كلمات

قال رئيس المهرجان محمد سعيد الضنحاني إن «الدورة الرابعة للمهرجان تفتح الآفاق أمام حلم المسرحيين فوق خشبة المسرح وتحت دوائر الأضواء، فهم مبتكرون ويجيدون رسم خطوطها ببراعة، فالمسرح لعبة الحكماء والعقلاء».

وأكد المدير التنفيذي لوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، بلال البدور، حرص الوزارة على الاهتمام برفع الوعي الثقافي وإثراء التواصل الحضاري وتنسيق الأنشطة بين الاتحادية والمحلية، مشيراً إلى أن اختيار الفجيرة لمهرجان المونودراما يأتي إيماناً منها بهذا الفن الراقي وترجمة حقيقية لموقعها الجغرافي الجميل وبيئتها الثرية ذات التألق الدائم. وقال مدير المهرجان، محمد سيف الأفخم، إن تشريف صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الدورة الرابعة للمهرجان دلالة على نجاح المهرجان، ودافع نحو تقديم الأفضل في كل دورة. واستطاع المهرجان أن ينجز النسخة العربية من المسابقات الدولية لنصوص المونودراما بمشاركة 59 كاتباً، وسيصدر النسخة العربية الأولى من كتاب عالم المسرح تحت إشراف الهيئة العالمية للمسرح، وسيشهد توقيع مجموعة من الاتفاقات والشراكة بين المنظمات الثقافية الدولية.

وجاء الاختلاف في فكرة افتتاح المهرجان امتداداً لاختلاف هذه التظاهرة عن غيرها، ولأنه كان لابد أيضا من إعطاء الدورة الرابعة من المهرجان زخما خاصاً يليق بالنجاحات التي تحققت في الدورات الماضية، والسمعة العالمية التي حظي بها، وهي المساحة العربية الوحيدة التي تحتفي بفن المونودراما، وتخصص له مهرجاناً تتجاور فيه العروض البصرية والندوات والجلسات النظرية التي تناقش هموم هذا الفن وواقعه وآفاقه المستقبلية.

وحمل حفل الافتتاح الذي حضره صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة توقيع المخرج السوري ماهر صليبي الذي أدار عرضاً استعراضياً تجمعت فيه عناصر الفرجة، وجاء بمثابة التحية من الفجيرة لتاريخ المسرح، منذ إشاراته الأولى مروراً بتحولاته وأهم محطاته ورموزه، وأبرز الأعمال المسرحية والشخصيات التي شكل ظهورها الانعطافات في مسيرة المسرح، فها هو هاملت يمد يده لجمهور الافتتاح، وها هي جولييت تعاتب روميو، وها هي التأثيرات الشرقية في بنية المسرح، مروراً بالخصوصية الصوفية التي منحها المخرج المُعد مساحة ملموسة في العرض، وصولاً إلى الوقت الراهن.

وكان الافتتاح الذي قاد الجمهور إلى سماء مضاءة بالألعاب النارية بمثابة الإعلان عن بداية النسخة الرابعة من التظاهرة التي أسست لنفسها موقعاً على خريطة المهرجانات المسرحية العالمية، والتي ستحتضن حراكاً ابداعياً بأجمل أشكاله حتى 22 يناير الجاري، وفتحت الستارة لعروض ستتناوب بمعدل عرضين يومياً تتبعهما ندوات نقاشية.

يشارك في الدورة 15 عرضاً ستتنافس على تقديم الأفضل والأجمل لإعلاء كلمة المسرح، وليس الحصول على جائزة، خصوصاً أن المهرجان قرر ومنذ انطلاقته إلغاء الجوائز وتحويل المناسبة من مسابقة مسرحية إلى مساحة لعرض التجارب التي اختارتها لجنة متخصصة، تجولت في العالم بحثاً عن الأفضل والأبرز.

مع بدء فعاليات المهرجان، تخطو الفجيرة خطوة إضافية في سياق وضع بصمتها الخاصة على جدار الرهان الثقافي الذي تشهده الامارات بصورة عامة، وتلفت الأنظار إليها باعتبارها صاحبة السبق والتفرد في احتضان اتجاه إبداعي خاص ومتفرد.

الثقافة والحب

«الثقافة والحب» كان عنوان باكورة الندوات والجلسات الثقافية التي نظمها مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، أمس، واستضافت الندوة التي أدارها رئيس المهرجان محمد سعيد الضنحاني وزير الإعلام الكويتي السابق سعد بن طفلة العجمي الذي أراد من المناسبة أن تكون جلسة ثقافية لتبادل الآراء والأفكار حول قضايا تناقش علاقة المسرح بالحياة، والفرد بالآخر، مؤكداً الأهمية الكبيرة لوجود الآخر في حياتنا، خصوصاً أن المتلقي والمتعامل مع الأفكار التي نطرحها أو نروج لها هو الذي يُكسبها أهميتها، «فأي فكرة، مهما كانت، لا معنى لها من دون وجود متلقّ لها، ومن هنا، فإن الافكار الحبيسة التي لا تخرج إلى الناس ليتم تداولها تظل فاقدة الأهمية بغض النظر عن جودتها».

طباعة