مراسلـو فلسطيـن.. ناقلو حقيقــة تحت النار

المراسلون الصحافيون يخاطرون بحياتهم من أجل نقل الأحداث. تصوير: لؤي أبو هيكل

في ظل ما تتعرض له غزة من عدوان، كان من الصعب الحديث لبضع دقائق مع مراسلي قناتي «الجزيرة» و«العربية» في فلسطين، والذين يبذلون جهودهم لنقل مشاهد الأحداث والمجازر الجارية في القطاع، محاولين أن تكون المهنية والموضوعية أساس بثهم، وإلا يلمس المشاهد خوفهم ومشاعرهم على حساب الحقيقة التي تنقلها الصور، الأصدق من اي ردة فعل من قبلهم، والتي تحكي قصصهم بطريقة غير مباشرة.

وأكد مراسلون صحافيون في فلسطين هاتفتهم «الإمارات اليوم» أن غايتهم الأولى هي نقل الحقيقة التي تحتمها عليهم المهنية الإعلامية، مشيرين إلى أن هول الأحداث وكثرة الضحايا والشهداء قد تجعل لهم بعض ردات الفعل أمام الكاميرا، لافتين إلى أن كبت مشاعرهم يجعلهم يعبرون عنها بعيداً عن البث الحي المباشر بين الضحايا.

وقال تامر المسحال مراسل «الجزيرة» في غزة الواقعة تحـت النار، وينقل الصورة من على سطح مبنى الجزيرة تحت قذائف الطائرات الحربية حيناً وأمام مستشفى الشفاء على وقع الجثث وبرك الدماء حيناً آخر «جميل أن نرى زملاءنا الإعلاميين من خارج فلسطين يتحدثون إلينا، ويسلطون الضوء علينا بعيداً عن أجواء عملنا». وأضاف ابن غزة واللاجئ إليها منذ نكبة 48 «ليس من السهل ان تكون مع شخص لتأخذ رأيه في حدث ما وتسمع انه استشهد بعد لحظات من لقائك به»، مؤكداً «هذه أبسط الصور التي قد يتعرض لها الإعلامي في فلسطين الذي يغطي عادة احداثاً ساخنة». واستدرك «لكن المهنية والموضوعية تتطلب منا أن نكون اكثر تماسكاً، خصوصاً اننا نخاطب ملايين المشاهدين من مختلف الجنسيات الذين يحتاجون الى الحقيقة التي ندعمها بالصوت والصورة والبحث عن المصادر الموثوق بها».

صورة صادقة

وقالت جيفارا البديري التي تغطي احداث الضفة الغربية لقناة «الجزيرة»: «لدي واجب إعلامي امام المشاهد الذي ينتظر مني تقريراً، وأمام القناة التي اعمل فيها والتي تحتم عليّ ان اكون صلبة لأنقل الصورة الصادقة من دون التسليط على مشاعري الخاصة التي اعبر عنها بعد حين وفي عزلتي وبعيداً عن اعين الكاميرا». وأضافت البديري التي ظلت اثناء تغطيتها اجتياح العدو الاسرائيلي لمدينة نابلس في الانتفاضة الثانية واقفة بجرأة امام الدبابة العسكرية في بث مباشر، حيث أصيب فني البث وائل طنوس امام عينها ولم تظهر خوفها، بل أكملت تغطيتها بمهنية، أضافت «الصورة هي نفسها، وإذا تعرضت مرة اخرى لاعتداء أو احد زملائي سأكون اكثر شجاعة».

وأشارت مراسلة قناة العربية حنان المصري من غزة إلى أن «أهم ما يجب فعله هو تسليط الضوء على الحقيقة بغض النظر عن قسوة تلك الحقيقة»، مضيفة «نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، لكن الذي يعطينا شيئاً مميزاً اننا لسانهم وصوتهم الذي ننقل من خلاله معاناتهم نتيجة عملنا في حقل الإعلام».

ولفتت إلى أن «الفصل بين الاحساس والمهنية صعب في ظروف كالتي يعيشها الفلسطينيون في غزة، ولكن شرف المحاولة في الوصول الى تلك الصيغة ضروري لكل اعلامي مهني كي لا يشتت ذهن المتلقي، ويجعله يتخذ موقفاً قد يكون عاطفياً اكثر منه عقلانياً».

وأردفت «نحن لا نخاف اصوت القذائف التي اصبحت بالنسبة لنا كصوت العصافير في دول تعيش في سلام، ولكن الفرق أن العصفور لا يدمي ولا يميت، بل يبعث بالفرح والأمل».

عدّ الأشلاء

وقالت شيرين أبو عاقلة التي تغطي احداث الضفة الغربية والقدس لقناة «الجزيرة» والتي تعرضت للكثير من المواقف الصعبة اثناء تغطيتها ومواجهتها للعدو «من الصعب أن تجرد الصحافي من الإحساس، وأن تطلب منه ان يكون آلة تتحدث لا اكثر»، وأضافت «ما نراه في كثير من الأحيان لا نستطيع ان نمحوه من الذاكرة، وأشعر مع الأيام انه اصبح يشكل جزءاً من الذاكرة بل والشخصية».

وتابعت «لم اتخيل ان اكون يوماً قادرة على مشاهدة الموت وأن اعبر عنه وأعدّ أشلاءه، ولم أتخيل انني سأتحمل صرخات الأمهات الفاقدات لأبنائهن، ولكني استطعت لأن ذلك واجب مهني ووطني، يدفعني كإعلامية الى الأمام ويمنحني الراحة امام قضيتي الفلسطينية العادلة بأنني استطعت ان اوصل معاناتها عالمياً»، مؤكدة «تعلمت الكثـير من الأمهات الصـابرات وتعـلمـت الكثـير من اطفـال فلسـطين الذين يواجهـون المـوت كمـا في غزة اليوم بعزة وإباء وكرامـة».

وقال مراسل قناة العربية في الضفة الغربية والقدس زياد حلبي إن «فلسطين وما تعانيه بشكل يومي والأحداث الأخيرة الجارية في غزة تمنحني كإعلامي ان اتمسك بالقوة قدر الامكان كي استطيع ان احكيها من دون خوف او ألم او ارتجاف في الصوت»، مشيراً إلى أنها تستحق ان تحكى بقوة كونها قضية عادلة لا تحتاج الى اظهار العواطف الشخصية في ظل وجود صور فعلية تحكي الحدث بشكل أوضح.

وأكمل «أصبح صوت القذائف ورائحة الموت جزءاً من حياتنا اليومية، والتي نسعى جاهدين إلى أن نتخلص من تلك الأجزاء بعمليات جراحية في المستقبل بعد ان ننعم بالسلام».

وأضافت هبة عكيلة التي سلطت الضوء على صنع تقارير خاصة لقناة الجزيرة بالعائلات المنكوبة في غزة وحكاياتهم ونقل معاناتهم عبر الشاشة وبصوتها الرخيم «هذا اقل ما يمكن فعله امام الموت اليومي الذي يتعرض له ابناء غزة المدنيين منهم قبل المستهدفين»، وأضافت «احاول وأنا الأم لثلاثة ابناء ان افصل بين مشاعري كأم فلسطينية وبين انني صحافية»، مستدركة «لكن الفصل صعب، صعب جداً، والذي ينقذني حالياً ان غالبية تقاريري مسجلة، ما يعطيني فسحة للبكاء جانباً، والانتحاب الى جانب الأسر المنكوبة».

ابن انتفاضتين

وجّه الإعلامي الفلسطيني من قناة «العربية»، محمد أبوعبيد، التحية إلى كل الصحافيين والمراسلين في ميدان غزة، حيث المحرقة، وقال «بوركت سواعدكم وأنتم تنقلون الحقيقة من تحت الخطر لكل البعيدين عنه.. حماكم الله وسلمكم»، وأضاف «لا أعتقد أنّ هناك اثنين من العرب أو المسلمين لا يتفقان على ان ما يحدث في غزة هو مجزرة بالمعنى الدقيق للكلمة وبعيداً عن العواطف، لكن السياق الذي يجب ان يبدي فيه المرء موقفه ومشاعره وأحاسيسه تجاه ما يرى ويسمع يجب ان يكون صحيحاً».

وأوضح «بمعنى أنني كمذيع للأخبار فإن عملي لا يلغي انسانيتي على الإطلاق، ولا ينفي عني صفة الشعور والإحساس بالمرارة والحرقة تجاه اية كارثة انسانية، وليس فقط تجاه عدوان عسكري اسرائيلي سواء على الفلسطينيين او اللبنانيين، لكن مهنية العمل تتطلب أن أحتفظ بهذه المشاعر من دون المتاجرة بها».

وشدّد أبو عبيد على أنه يتوخى المهنية الإعلامية التي تقتضي منه نقل الخبر وشرح ابعاده بالسؤال الصحيح والذكي وباستخدام العبارات المناسبة، لأن السؤال الذي يأتي بمحله الصحيح وبمضمونه السليم قد يفوق أية مظاهر أخرى، موضحاً «لا أسمح لنفسي وأنا أنقل ما يحدث في غزة بالدخول في انفعالات شخصية، وبالتالي أصبح أنا الحدث بدلاً من ناقل للحدث، شعوري وأنا أنقل ما يحدث في غزة هو شعور كل من يعرف قيمة الإنسان الباحث عن الحرية وعن وطن، خصوصاً أنني ابن فلسطين وابن انتفاضتيها الاثنتين وذقت مرارة الاحتلال وقسوته وبشاعته».

 

طباعة