الإمارات اليوم

المصوّر الخاص للراحل الكبير يروي ذكريات قيام الاتحاد وجهود بناء الدولة

محمد الخـالدي: مسـيرة زايد مازالت متواصلة بالقوة نفسـها

:
  • إيناس محيسن ــــ أبوظبي
  • الشيخ زايد خلال إحدى جولاته بعدسة الخالدي. أرشيفية
  • محمد الخالدي. من المصدر

على مدى 34 عاماً، استطاع المصور محمد الخالدي أن يسجل بعدسته مواقف وجوانب من حياة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، موثقاً بذلك فترة مهمة في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة وتاريخ المنطقة ككل.

برلمان في البر

ذكر المصور محمد الخالدي، أن الشيخ زايد كان يحوّل رحلات الصيد إلى ما يشبه البرلمان المصغر، حيث يحرص على أن تجمع هذه الرحلات بين المسؤولين الرسميين في الدولة، وبين أشخاص من الشعب ومن طبقات مختلفة، ليستمع إلى الجميع ويتعرف إلى آرائهم ومشكلاتهم ومقترحاتهم أيضاً، وبناء على ذلك كان يتخذ الكثير من القرارات لحل قضايا الناس.

زايد لم يكن يعرف المستحيل

أشار المصور محمد الخالدي، إلى أن للشيخ زايد تجربة رائدة في مجال استصلاح الصحراء تحدى فيها آراء الخبراء الذين اجتمعوا معه في إحدى جلساته بمدينة زايد، حيث أكدوا استحالة استصلاح هذه الأراضي وزراعتها، لكنه نجح في تحويل هذه المناطق الصحراوية إلى مدن ومزارع مثمرة، حيث قام بزراعات تجريبية في المنطقة الغربية، وعقب نجاحها عممها على مستوى المنطقة بأكملها، واعتمدت التجربة على تسوية الكثبان الرملية وتثبيتها بطبقة من التراب الثقيل، ثم تقسيم المنطقة إلى مساكن شعبية ومزارع وطرق، لتبدأ عمليات استصلاح الأراضي وزراعتها، وأثمرت هذه الطريقة عن أكثر من 170 قرية توزعت بين محاضر ليوا، وهو دليل واضح على بعد النظر الذي كان يمتلكه الشيخ زايد وإيمانه بأنه ليس هناك مستحيل.


المصور الخاص للشيخ زايد:

- كلفني وهو في طريقه إلى المستشفى في أيامه الأخيرة بالذهاب إلى دلما وتصوير المشروعات العمرانية ومواقع العمل.

- الشيخ زايد كان يتمتع بذكاء نادر، ويختار لكل منطقة في الدولة المشروعات المناسبة لطبيعتها الجغرافية.

- الأب المؤسس كان يتسم بالبساطة وقدرة كبيرة على التواصل مع البسطاء وعامة الشعب.

- كان يتعرف إلى الخيول والإبل والصقور الجيدة والقوية من شكلها بمجرد رؤيتها.

وقال الخالدي، في حوار مع «الإمارات اليوم»، إن «المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، استطاع أن يصل بدولة الإمارات إلى مكانة مميزة لها بين دول العالم، ومازالت الدولة تتقدم لتحقق المزيد من التقدم والتطور، ورغم اختلاف الأساليب وفقاً لاختلاف العصر ومتطلباته، فإن المسيرة التي بدأها زايد مازالت متواصلة بالقوة والثقل نفسيهما، وما نشهده اليوم من تماسك الإمارات وقوتها وقدرتها بحنكة على تجاوز العواصف والأزمات التي ضربت العالم، والوصول إلى بر الأمان، بل والاستمرار في إنجاز العديد من المشروعات الضخمة، هو دليل على أن غرس زايد الطيب لا بد أن يكون نتاجه طيباً».

وأضاف أنه استطاع أثناء عمله بالقرب من المغفور له الشيخ زايد أن يسجل آلاف اللقطات والمواقف التاريخية، لكن يظل يوم إعلان قيام الاتحاد من أعظم وأهم الأيام التي مرت عليه، وعلى جميع من شهدوا هذا الحدث التاريخي، لافتاً إلى أن «قيام الاتحاد لم يكن وليد اللحظة لكنه تتويج لجهود مضنية بدأت عقب الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج، حيث آمن المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأنه لم يعد هناك مكان للدويلات الصغيرة، وتلك العبارة كان يرددها كثيراً في تلك الفترة، وهو ما دفعه لتكثيف جهوده مع حكام الإمارات المتصالحة في ذاك الوقت، والتي أسفرت عن قيام اتحاد بين أبوظبي ودبي كان بمثابة نواة لقيام دولة الاتحاد، الذي تواصلت بشأنه المداولات إلى أن تم إعلانه في الثاني من ديسمبر 1971، وهو التاريخ الذي كان نقطة تحول للإمارات والمنطقة».

وأضاف: «ستبقى لحظة إعلان قيام الاتحاد من اللحظات التاريخية التي لا تتكرر في حياة الإنسان، وستظل كل تفاصيلها حاضرة في ذاكرة من عاصر هذا الحدث، سواء بتواجده في المكان ضمن الحضور الذي ضم حشداً كبيراً من رجالات الدولة في ذاك الوقت، وعدداً من الخبراء في الحقوق والقانون الدولي الذين تولوا وضع الصياغة القانونية للاتفاقات، أو متابعته عبر وسائل الإعلام المختلفة، حيث حرص العديد من رجال الإعلام ومراسلي الصحف العرب والأجانب على تغطية الحدث المهم، وكنا نشعر بسعادة تغمرنا ونحن نرقب ونصور حكام الإمارات وهم يجتمعون حول طاولة الاجتماعات عقب توقيع الاتفاق وقد ارتسمت على وجوههم السعادة بالإنجاز الذي تحقق، وباختيار الشيخ زايد رئيساً للدولة، وباختيار المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، نائباً للرئيس رئيساً للحكومة، ثم خروج الحكام إلى ساحة القصر لتصل ذروة السعادة مع مشهد رفع علم الإمارات، الذي تم الاتفاق عليه وقتها أيضاً، ليعلو لأول مرة في التاريخ ساريته معلناً قيام دولة الإمارات العربية المتحدة».

احتفالات شعبية

وأشار الخالدي، إلى أن «الاحتفال بقيام الاتحاد لم يكن رسمياً فقط، فإلى جانب ما نقلته وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم، كان البسطاء من أهل الإمارات يحتفلون على طريقتهم الخاصة».

وتابع أنه «بمجرد إعلان قيام الاتحاد انطلق مع عدد من الإعلاميين المعروفين، منهم محمد القدسي وعبدالمنعم سلام ومصطفى شردي، لتغطية احتفالات السكان وفرحتهم التي انعكست في الرقصات الشعبية التي ملأت الشوارع، وتم تسجيل هذه الاحتفالات بكاميرات الفيديو، وعلى مدى أيام واصل الفريق تنقله في مختلف أنحاء الإمارات دون أن يشعر بالتعب، رغم صعوبة العمل وثقل حجم الكاميرات وضخامتها وضعف إمكاناتها في ذاك الوقت».

وأكمل: «احتفالات الإمارات باليوم الوطني في السنوات التالية لم تفقد زخمها وألقها، بل تجاوزت محليتها وتحولت إلى احتفالات ذات طابع عربي، حيث شهدت مشاركات واسعة من شخصيات عامة وسياسيين وفنانين عرب».

وقال الخالدي: «بعد وضع أسس الدولة بدأت مرحلة جديدة من البناء والإنجازات، وانطلقت جهود تخطيط المدن وتطوير المناطق السكنية، بمد الطرق وبناء السدود، إذ أمر الشيخ زايد، رحمه الله، ببناء مساكن شعبية للمواطنين، وإقامة كل المرافق الخدمية بالقرب منها، مثل المدارس والمستشفيات والمزارع لتوفير الأمن الغذائي، وهي قاعدة جديدة أرساها الراحل الكبير، وحرص على تطبيقها في كل التجمعات السكانية التي كان يقيمها في الإمارات، حرصاً منه على راحة المواطنين والمقيمين والتسهيل عليهم».

وأضاف أن «المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان يتمتع بذكاء نادر، واستيعاب كبير لطبيعة الحياة في المنطقة، ويحرص على أن يختار لكل منطقة من الدولة المشروعات التي تتناسب مع طبيعتها الجغرافية لتوفير العيش الكريم لسكانها، فاهتم بإنشاء الموانئ في المنطقة الساحلية، وتوفير مراكب الصيد وورش إصلاح القوارب والشباك وغيرها من أدوات ومعدات الصيد، أما المناطق الجبلية فعمد فيها إلى بناء السدود للاستفادة من مياه الأمطار بدلاً من ضياعها في البحر، وهو ما أسهم في رفع منسوب المياه الجوفية، كما أمر باستصلاح الأراضي وإقامة مزارع هناك باستخدام الطمي الذي كان يتواجد خلف السدود».

وقال الخالدي، الذي شغل أيضاً منصب مدير إدارة الإنتاج السينمائي في مؤسسة أبوظبي للإعلام، إن «الشيخ زايد، طيب الله ثراه، إلى جانب ما كان يتمتع به من صفات القيادة، كان يتسم بالبساطة وقدرة كبيرة على التواصل مع البسطاء وعامة الشعب، وكان يولي اهتماماً كبيراً للجولات التي كان يقوم بها لتفقد أحوال الشعب ومتابعة سير العمل في المشروعات التنموية التي يأمر بتنفيذها، وكانت هذه الجولات تتم دون أية ترتيبات مسبقة، وقد تشمل الجولة الواحدة أكثر من منطقة في مختلف مناطق الدولة، وهي عادة حافظ عليها حتى في أيام مرضه».

وتابع: «كثيراً ما كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، يكلفني بزيارة المشروعات العمرانية ومواقع العمل وتصويرها بكاميرات الفيديو ليطلع على ما تم فيها، وخلال الأيام الأخيرة من حياته، رحمه الله، شعر بالتعب وكان في طريقه إلى المستشفى لإجراء فحوص، واتصل بي هاتفياً وطلب مني الذهاب إلى جزيرة دلما ومتابعة سير العمل في المشروعات العمرانية التي أمر بها هناك، وأن أسجل كل ما يجري بكاميرات الفيديو ليرى بنفسه ما تم إنجازه، وبالفعل ذهبت إلى دلما في الفجر، وتنقلت بين المشروعات كافة وعددها 23 مشروعاً لتطوير المنطقة وإمدادها بالخدمات، وقدمت له الأفلام ليراها ويطمئن على تواصل الإنجازات».

وأشار الخالدي، إلى «تمسك المغفور له الشيخ زايد بالتراث بكل أشكاله، وكان يهتم اهتماماً خاصاً بصيد الصقور، وكان يمارس هذه الرياضة بكل مراحلها بنفسه، ويقوم برحلات صيد في باكستان وكينيا ومالي، أو داخل الدولة في منطقة بينونة». وأضاف: «كان، رحمه الله، يمتلك ذكاء فطرياً وفراسة نادرة حتى إنه كان يتعرف إلى الخيول والإبل والصقور الجيدة والقوية من شكلها بمجرد رؤيتها، وخلال رحلات الصيد كان يقوم بفحص الصقور كلها، وإطلاق أسماء عليها، وكان يختار أقواها وأفضلها ليصطاد به، ويستطيع أن يعرف كل صقر ويسميه باسمه، كما كان حريصاً على ترسيخ حب التراث والارتباط به في نفوس أبنائه منذ طفولتهم حتى يكون جزءاً أصيلاً من شخصياتهم، لذا كان كثيراً ما يصطحبهم في رحلات الصيد التي كان يقوم بها».