روح إماراتية عربية تستوعب الثقافات وترحب بالشعوب

«دبي للتسوّق».. إرضاء جميع الأذواق غاية «تُدرك»

صورة

تستطيع أن تقيم جهة ما حدثاً محلياً أو إقليمياً أو حتى عالمياً في أي بقعة من بقاع العالم، ثم يتناقله الآخرون عنها، اقتباساً أو نسخاً، أو حتى استلهاماً، لكنها لن تتمكن حتماً من استعارة خصوصيته المرتبطة بتفاصيل كثيرة، تفرز روح هذا الحدث وفرادته.

وفي عصر أبرز معالمه التواصل الاستثنائي بين الثقافات المختلفة، فضلاً عن أبناء الثقافة الواحدة، فإن ظاهرة «النسخ» باتت أكثر انتشاراً من أي وقت مضى، فلا يلبث أن يبزغ نجاح، إلا وسعى آخرون، لا إلى الاستفادة من آليات وصوله إلى ألقه، بل إلى نسخ هذا الألق، متناسين أن ظلال الثمرة لا يمكن أن تستحيل طرحاً ملموساً.

مهرجان دبي للتسوق في دورته الـ19، لا يخرج في علاقته مع ما عداه من المهرجانات التي تسير على نهجه، عن هذه المعادلة، فـ32 يوماً هي عدد أيام المهرجان، تبقى عصية على الاقتباس، وضد كل محاولات نسخها، بعيداً عن زمان ومكان قاصرين على إمارة إكسبو2020، وزمان هو الفترة المحددة لإقامته.

ورغم أنه جاء بدعوة من مهرجان دبي للتسوق الذي يستوعب العالم، إلا أن زميلاً إعلامياً جمعت «الإمارات اليوم» معه طاولة حفل الانطلاق، توقع حينها أن توافر إمكانات دبي لسواها، كفيل بصنع مهرجان «مماثل»، مبرراً فكرته بأنه لا يرى إشكالية في سيادة ظاهرة النسخ «من طرف واحد» في علاقة الشرقي بكل ما هو غربي، بدءاً من علامات ربطة عنق الرجال، وحقائب السيدات، وليس انتهاءً ببرامج تلفزيونية تستحضر صورة مواهب وتسقطها على جمهورها، قبل أن تستدرك في عنوانها بأن نسختها «عربية»، فما بالنا بأن النسخ في الحالة التي يروِج لها، طرفُه الأول «عربي».

إغواء الجدال النظري الذي جمع أطرافاً آخرين كان محتدماً، والدفع بأن هناك أحداثاً عصية على محاولات صنع نسخة أخرى تحاكيها، وإسقاط ذلك على «دبي للتسوق»، كان بالنسبة للبعض مبالغة وانحيازاً خارج سياق الموضوعية، رغم أن مونديال كرة القدم يبقى واحداً، ولا تغني عنه أو تدانيه أحداث تقام على هامشه، ومهرجان كان السينمائي، لا معنى لمحاولة استلهام روحه في لندن.

الموضوعية نفسها دفعت الزميل الإعلامي إلى تسجيل إعجابه الشديد بحالة استعداد دبي لمهرجانها، خلال إسهابه في شرح وجهة نظره «أدهشتني جداً تلك الحالة من الاحترافية في الإعداد لافتتاحه، التي جعلتني أغفو ليلة مطلع يناير، لأصبح على وجه مشرق لإمارة، بدت كأنها عروس تتجمل لليلة زفافها».

ويتابع «في بعض المدن التي تقيم مهرجانات تتسم بجماهيريتها، يبدو كأن كل شيء فيها يسير في ركاب الاستعداد لها، لدرجة أن تلك الحالة تفرض وضعاً استثنائياً في المرور وتحويلات الطرق، بغرض تجديد صيانتها، وتجهيز اللافتات، والأكشاك ومناطق الألعاب، وغير ذلك من المستجدات المرتبطة بالحدث، لكننا هنا وكأن لمسة سحرية جاءت بكل هذه التفاصيل إلى المكان».

يقطع حديث ضيف المهرجان، صوت الألعاب النارية التي أضاءت المكان، في بيت الشيخ سعيد بمنطقة الشندغة التراثية، ألوان الفرح، ليواصل «توقعت أن يكون انطلاق عروض الألعاب النارية في شارع السيف فقط، خصوصاً أن المكان هنا لا أتوقع أن يكون مثالياً لتجمع الأسر»، لكن وصوله إلى خارج قاعة الحدث جعله يعقّب «مدهش أن يأتي كل هذا الكم من رواد المهرجان إلى هنا، كنا نظن أن الأماكن التراثية لا تستهوي سوى السائح الأجنبي».

بدافع وظيفي راح ضيف المهرجان يسجل انطباعات رواد المكان، قبل أن يفاجأ بأن إجادة الانجليزية لم تسعفه في التواصل مع العديد من الأسر التي جاءت بلغاتها ولهجاتها المحلية، لكنه فضَّل رصد حالة الفرحة هنا، بعد أن رصدها على الضفة الأخرى من الخور الذي تحوّل إلى بانوراما لثقافات شعوب، تجلت في العديد من العروض الفنية المختلفة، فيما ازدانت سماؤه ببانوراما أخرى شكلتها الألعاب النارية.

ضد الطي

لا يطوي المهرجان أياً من شعارات دوراته المتوالية، فشعار «عالم واحد عائلة واحدة»، الذي رافق المهرجان طويلاً لايزال متحققاً في دبي التي تحتضن العالم في تألق يبقيها بالفعل «أروع في مهرجانها»، وفق الشعار السابق الذي حافظ على ديمومته أيضاً.

ومع الشعار الحالي للدورة 19 من المهرجان يبرز «التسوق بكل روائعه»، وفق خيارات عديدة تصاحب فيها فرص ربح جوائز يصل مجموعها إلى 100 مليون درهم، خصومات حقيقية على الأسعار، في حين يبقى فعل التسوق مقترناً بالترفيه والمتعة والفائدة التي تحمل عوالم كثيرة عند أطراف أصابع المتسوق.

خارج التوقعات

تبقى فعاليات مهرجان دبي للتسوق دوماً خارج التوقعات، فمع استبعاد البعض بأن يكون الفنان المصري محمد منير موجوداً في دبي خلال فترة الاحتفال بثورة 25 يناير المصرية، لاسيما مع كونه أحد المرتبطين فنياً بتفجيرها، حضر المطرب الأسمر، وفي حين أن الكثيرين توقعوا أن يغيب سيرك دوسيليه منعاً لتكرار عرضه، جاء السيرك ذاته باستعراض جديد بصحبة أغاني مايكل جاكسون. قائمة فعاليات المهرجان التي كانت خارج التوقعات تطول لتشمل استقبال أحد أكثر العروض الأوبرالية الحديثة تميزاً في قرية الشندغة التراثية ليلة الافتتاح، في ثنائية متجددة لتلاحم الأصالة مع المعاصرة.

تجربة فريدة

في عصر أبرز معالمه التواصل الاستثنائي بين الثقافات المختلفة، فضلاً عن أبناء الثقافة الواحدة، فإن ظاهرة «النسخ» باتت أكثر انتشاراً من أي وقت مضى، فلا يلبث أن يبزغ نجاح، إلا وسعى آخرون، لا إلى الاستفادة من آليات وصوله إلى ألقه، بل إلى نسخ هذا الألق، متناسين أن ظلال الثمرة لا يمكن أن تستحيل طرحاً ملموساً. مهرجان دبي للتسوق في دورته الـ19، لا يخرج في علاقته مع ما عداه من المهرجانات التي تسير على نهجه، عن هذه المعادلة، فـ32 يوماً هي عدد أيام المهرجان، تبقى عصية على الاقتباس.

تموضع مسرح متوسط وسط الردهة التراثية كان إيذاناً بعرض أوبرالي لفرقة «سفن سوبرانوز» الأسترالية، وهو ما جاء على عكس توقعات الضيف، الذي اندهش لفكرة استيعاب هذا الفن الغربي المعاصر، في تلك الأجواء التراثية، كما أن ضيوفاً لم يكن يتوقع أن يقابلهم في الاحتفال، منهم سالم الهندي، المدير التنفيذي لشركة روتانا للصوتيات، كان بمثابة علامة استفهام بارزة لديه حول علاقتهم بالحدث.

وعاد الضيف الإعلامي بحديثه إلى المشهد الكرنفالي لعروض شارع السيف الافتتاحية، مشيراً إلى أن إرضاء جميع الأذواق غاية لا تدرك، لكنه أكد «من المحتم أن وجود عروض يشارك فيها مئات الاستعراضيين في موقع واحد يناقض هذه المقولة، فلكل فرقة مريدوها وجمهورها، خصوصاً حينما نكون في حضرة إمارة يقال عنها إنها مساحة للتعايش بين أكثر من 200 جنسية».

ملاحظة عابرة أعادت الصحافي إلى دهشته، عندما علم بأن مشهد الحدث الافتتاحي غير مقتصر على فعاليات شارع السيف ومنطقة الشندغة التراثية، فهناك سبعة أماكن مختلفة يتوجب عليه رصدها، في حال محاولته نقل استقصاء أمين لما يحدث هنا، حيث تنتشر فعاليات لا تقل ألقاً وإبهاراً في التوقيت ذاته في كل من بوليفارد الشيخ محمد بن راشد، وشارع الرقة، وممشى الجميرا، وحديقة زعبيل، والقرية العالمية، وغيرها من مراكز التسوق والمواقع الأخرى.

اللقاء مع المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للمهرجانات وتجارة التجزئة، ليلى سهيل، من أجل إتمام التغطية كان مطلباً عند الإعلامي الضيف، لكنه التمس لها العذر مسبقاً، على فرضية أن انشغالها بالمهام الوظيفية في هذا التوقيت، سيحول دون ذلك، قبل أن يفاجأ بأن سهيل جاءت إلى الطاولة ذاتها لترحب بالوفود الإعلامية، فتتاح له حينها الفرصة لتلقي إجابات عن بعض أسئلته.

ختام الفعاليات كان يعني عند الضيف بداية تجربة شاقة من الانتقال في شوارع مزدحمة، بسبب هذا العدد الهائل من العروض التي حرص على الاستمتاع بها، واقترح أن نبقى قليلاً حتى لا نضطر إلى خوض معاناة آثار هذا الازدحام، لكن سائق السيارة كان أكثر منه اندهاشاً بطرح هذه الفرضية، ليدع أيضاً انسيابية الطريق تبدد بنفسها مخاوفه.

تجاوز اليوم الافتتاحي في الكثير من المهرجانات يعني أن كثيراً من مظاهر الحياة تعود إلى تقليديتها، انتظاراً ليوم الختام، وربما هذا ما دفع الإعلامي الضيف إلى قبول دعوة أسرة صديق له مقيم في دبي تواعدا على اللقاء، خارج سياق مهمته الإعلامية.

الطقس المثالي والمشمس حرّض بأن يكون اللقاء في حديقة زعبيل، لكنه فوجئ بكتيبات في أيدي أسرة صديقه، ظنها للوهلة الأولى قصصاً أو روايات، قبل أن يلحظ شعار المهرجان ومقولته الأثيرة «دبي أروع في مهرجانها»، ليكتشف أن الكتيبات هي دليل المهرجان الذي يسترشد به الجميع للبحث في قائمة فعاليات تمتد لتصل إلى 150 فعالية مختلفة.

اكتشف الإعلامي الضيف حينها أن الإفطار في حديقة زعبيل ما هو إلا المحطة الأولى في جولة أسرة صديقه، وأن «دبي للتسوق» هنا، أسلوب حياة، يخرج فيه الجميع عن تقليدية 10 شهور و28 يوماً، يحصيها المقيم، وصولاً إلى أيامه الـ32.

لماذا لم تقم باصطحاب زوجتك وأطفالك للاستمتاع بمهرجان دبي؟ سؤال كان يتمنى لو أن تكون الإجابة عنه بعبارة «هم بصحبتي بالفعل»، لكنه قرر أن يقضي مع أسرة صديقه كل تفاصيل اليوم العائلي، ضمن مهرجان أكد منذ انطلاقته أن «العالم الواحد».. هو بمثابة «عائلة واحدة».

وتابع الضيف الإعلامي في تفاصيل ثاني أيامه «فوجئت بأن يد المهرجان امتدت أيضاً للحدائق، فهناك عروض كرنفالية متعددة، لكن المدهش أنني سمعت أن ثمة حفلات غنائية ستنظم هنا أيضاً، كيف تكون الحفلات الغنائية في الحدائق العامة، وما هي آلية دخول الجمهور حينها؟».

توالي أيام المهرجان جعل ضيف المهرجان خبيراً بجدول فعالياته، وأصبح يرسم خريطة لتحركاته اليومية بشكل أكثر دقة، واضعاً في الحسبان أن تعدد الفعاليات وتنوعها، سيجعله في مهمة مستحيلة للوصول إلى استقصائها، ليقرر أن يمدد مهمة العمل بإجازة سنوية، استدعى من أجلها أسرته الصغيرة.

عرض سيرك «دو سيليه» كان ضمن محطات مشاهداته، فضلاً عن الفرق الاستعراضية المختلفة، والعروض الكرنفالية التي انتشرت في الكثير من المولات والشوارع، وكذلك نماذج «حياة البادية» و«واحة السجاد والفنون»، لكنه بدا أكثر اندهاشاً أمام معرض «شارع الفنون»، عندما تعايش مع ورش الرسم، وامتزاج الإلقاء الشعري باللحن الموسيقي، في منطقة صناعية بالأساس، وهي القوز الصناعية.

قدوم زوجته وطفليه كان مناسبة أخرى لأن يشاركوه جميعاً الدهشة، كل حسب ما يثيره، فكان منطقياً أن يشارك زوجته دهشة «عرض الأزياء العمودي»، وتحوّل جدران برج خليفة لمنصة رأسية لعرض الأزياء، قبل أن تضاعف دهشته فعالية «التسوق الافتراضي»، التي منحت زوجته فرصة اختيار ما يناسبها من ملابس وإكسسوارات عبر شاشة إلكترونية، ما جعلها أكثر إلحاحاً على حجز مقعد لها في فعالية «عباية سيلكت» لتستثمر بعدها فرص فعالية «شرنقة الجمال» التي استفادت فيها من لمسات نخبة من خبراء الأزياء.

وفي الوقت الذي كانت فيه زوجته تحافظ على أبهى طلة لها، أملاً في الفوز بمسابقة «فرقة الموضة» التي استحدثتها إدارة المهرجان، وتمنح لأكثر الأشخاص تميزاً في حسن الطلة الذين تقابلهم لجنة تحكيم متخصصة، أثناء تجولها في المراكز التجارية المختلفة، كان طفلاه يجذبانه إلى عروض الأطفال، التي توصلا إلى وجودها، مثل تليتبيز وفيربي وشعبية الكرتون، وحتى بابل جيم، وغيرها.

اللقاءات بالضيف الإعلامي أصبحت شديدة الصعوبة في ظل محاولاته استقصاء فعاليات شديدة التنوع، يسعى عبرها لتلبية اختياراته تارة واختيارات زوجته تارة أخرى، فضلاً عن تلبية رغبات طفليه، لكن حوار يوم المهرجان الأول، دفعه للتواصل كي يجيب هو نفسه عن أحد تساؤلاته، ليشير إلى أن وجود مسؤول «روتانا» بصحبة المدير التنفيذي للمهرجان، هو جزء من شراكات متعددة، بعد أن ربط بين ذلك ووجود العديد من الحفلات الغنائية التي أحياها عدد من نجوم الأغنية العربية والموسيقى الأصيلة.

السؤال الأكثر محورية تعلّق بفرضية تناسخ الأحداث التي يؤمن بها الضيف، ومدى تصوره بأن يقام مهرجان مماثل للتسوق، في زمان ومكان آخرين، مفرزاً خصوصية الروح التي لمسها، قبل أن يجيب: «قد يُقتبس (أميركان آيدول) أو (ذا فويس)، ومن المعقول أن تنظم مدينة ما حدثاً عالمياً يقام دورياً، لكن أن تحاكي دبي في مهرجانها، فإنها يتوجب عليها ببساطة أن تكون دبي» .

 

لمسة سحرية

«في بعض المدن التي تقيم مهرجانات تتسم بجماهيريتها، يبدو كأن كل شيء فيها يسير في ركاب الاستعداد لها، لدرجة أن تلك الحالة تفرض وضعاً استثنائياً في المرور وتحويلات الطرق، بغرض تجديد صيانتها، وتجهيز اللافتات، والأكشاك ومناطق الألعاب، وغير ذلك من المستجدات المرتبطة بالحدث، لكننا هنا كأن لمسة سحرية جاءت بكل هذه التفاصيل إلى المكان».

 

طباعة