EMTC

مدنـنــــا.. بقايا ذاكرة قديمة

جميع الدراسات تثبت أن الشرق العربي عرف أول التجمعات المدنية. غيتي

ما هي المدن التاريخية في التعريف؟ وما هو التراث؟ وغالباً ما نجد المفردتين، في عناوين ندوات متخصصة، تسلّط الضوء على التحديات التي تواجه المدن التاريخية والتراثية، وأخرى تطرح إشكاليات الحفاظ على التاريخي التراثي المتبقي في هذه المدن. وما يهمنا نحن المعماريين العرب من البحث في هذا التعريف، وبعيداً عن أي ادعاءٍ معرفي معمقٍ في علم التاريخ، هو وعينا، بأن كل المكتشفات الأركيولوجية منذ نشأة هذا العلم حتى يومنا هذا، تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط العربي، هي المهد الأكيد الذي شهد ولادة المدن الأولى في التاريخ.

منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، في الجنوب عند ملتقى نهري دجلة والفرات، وإلى الشمال في منطقة الوسط بين النهرين، أي في ما عرف بمنطقة الميزوبتيميا، تكونت مجموعاتٌ مبنيةٌ، تميزت بأنماطٍ من «التنظيم المديني» يحدد وسط هذه المجموعات، بصفته مركزاً يشكل قلبها، فيه مبانٍ دينية وأخرى مدنية مختلفة، من بينها مباني الحكم.

وفي الألفين التاليين، وربما قبل ذلك، انتشر هذا «التنظيم المديني» في معظم أرجاء المنطقة، فنشأت مدنٌ كانت عواصـمَ لتنظيمات إقليمية مثل سومر، وبابل، وإبلا، وأخرى تجارية على الشاطئ الكنعاني ـ الفينيقي في جبيل (بيبلوس)، وأوغاريت، وصور، وغيرها، ليصل بعد ذلك إلى المدن المعابد في وادي النيل، مثل ممفيس والكرنك.

وإذا كان بعض هذه المدن قد تحول إلى أطلالٍ، فإن حالاتٍ من الاستمرار العنيد لاتزال تُشاهد اليوم في دمشق، وجبيل «بيبلوس»، وصور، وغيرها. ومن عناصر الاستمرار المميزة، هو البيت المكعب المنظم حول فناء داخلي مفتوح تدخله السماء، وهو نموذج من السكن انتشر خلال العصور القديمة في كل أرجاء الشرق الأوسط العربي، ولايزال موجوداً بكثافة حتى يومنا هذا.

وفي زمن قصير نسبياً، لم يتعد القرن الواحد إلا بقليل، انتشر الإسلام حتى وصل إلى اسبانيا والهند. ورافق هذا الانتشار، ازدهارٌ مديني قل نظيره. ومهما كانت النِظرة إلى هذا الازدهار المديني، في أصوله وميزاته، فالمؤكد أنه قرابة نهاية الألفية الميلادية الأولى، كان في الوطن العربي، المجموعة المدينية الأكثر عدداً في العالم. إذ كان فيه آنذاك، ما يقارب الـ10 مدن التي يتعدى عدد سكانها 100 ألف نسمة.

في مشرق الوطن العربي، شُيدت على التوالي، البصرة في العام 635 م، والكوفة في العام 638 م، والفسطاط التي بناها عمرو بن العاص في العام 641 م، وكانت النواة الأولى لبناء القاهرة. أما في المغرب العربي، فبنيت القيروان في العام 670 م وقد بناها عُقْبة بن نافع، وبعدها المونستير وسوسة والمهدية. واستمر الحراك باتجاه الغرب، فبنيت فاس في العام 810 م، ومراكش في العام 1070 م. هذا في مجال المدن الجديدة. مع التأكيد بالطبع، على التطور المديني الاستثنائي الذي شهدته مدن المشرق العربي العريقة، مثل حلب، ودمشق، والقدس، وانطاكية، «التي كانت لنا» وغيرها.

وشكلت التعاليمُ، والقواعدُ العامة للسلوك، التي أرساها الإسلام في حياة الناس، الأُسسَ التي قامت عليها حياةٌ مدينيةٌ جديدة. وأَنحازُ دون تردد، إلى الموقف الذي يرى أن هذه المدن العربية الإسلامية، تجسد بحق، طابعاً خاصاً مميزاً، ونموذجاً أصيلاً، لما ستكون عليه المدن العربية الإسلامية، التي تألقت في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين.

لقد ارتكز هذا النموذج المديني العربي الإسلامي، على قراءة ترى أن تنظيم المجال مدينياً، يقوم على مركزٍ لا تشيد فيه إلا المباني العامة بشقيها الديني والمدني، بالإضافة إلى مباني الحكم. أما المناطق السكنية فتتوزع في الأطراف، محددة بطرقٍ تربطها بالمركز.

الاستعمالاتُ الجديدة

بأية حال وصلتنا الأجزاء التاريخية في بعض مدننا؟ معظم المدن المهمة إذاً في الوطن العربي مشرقاً ومغرباً، هي مدنٌ تاريخية، انتقلت إلينا أجزاؤها كما كانت عليه عند تشييدها، حاملةً معها تحولاتٍ مدينيةً متواصلة لا قطع فيها. وظل مركزُها قلبُها يقوم بوظائفه الثلاث التي أنشئ من أجلها، وهي الوظائف الدينية، والمدينية التجارية، ووظيفة الحكم. إذ نجد في مراكز معظم هذه المدن، الجامع الكبير ومساجد أخرى أصغر منه، ومباني الحكم، والأسواق. ومن هذا المركز تنطلق الطرق المستقيمة أحياناً، والمتعرجة كالمتاهات أحياناً أخرى، إلى الأحياء السكنية في الأطراف. وتميزت الأجزاء التاريخية هذه، بخاصياتٍ عدة هي ثمرةُ تكاملها مع بيئتها الطبيعية والثقافية. إنها خاصياتُ الإِصالةِ والانتماء، التي لاتزال واضحةً حتى الآن.

إلا أن الاحتلال الكولونيالي حل عندنا باكراً. في الجزائر في العام ،1832 وفي عدن في العام ،1837 وفي أوائل العشرينات من القرن الماضي أي مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، «في سوريةولبنان وفلسطين ومصر، والعراق» وغيرها فـي المشـرق والمغـرب العربيين. قطـع الاحتـلالُ الكولونيالي بشكـلٍ فـج التطور الطبيعي لمدننا الذي استمر متكاملاً مع بيئتها الطبيعية والثقافية قروناً، وأسقط فوق النسيج المبني التقليدي لهذه المدن، تنظيماً مدينياً مستورداً صممه منظموا المدن الذين جاؤوا معه. فحوصرت مدينة عدن التاريخية «كريتر كما سميت» في موقعها الطبيعي لصيقة الصهاريج حيث تُجمع مياهُ الاستعمال من السيول الموسمية، وبنى مدينته ممتدة على طول الواجهة البحرية، وهدم أجزاءً كبيرة من النسيج التقليدي المبني في بيروت، وبنى فوق الركام مدينةً كولونياليةً مستوحاةً من النمط الهوسماني الباريسي في شبكة الطرق، وفي العمارة. وكان القطع الفج في تواصل النسيج المبني المديني من نصيب تونس (العاصمة)، والجزائر (العاصمة)، والدار البيضاء، ودمشق، وحلب، وغيرها من مدننا التاريخية.

وراء الحداثة

في لهاثها وراء الحداثة بعد الاستقلال، لجأت السلطاتُ الوطنية، إلى منظمي مدنٍ من البلدان التي كانت تستعمُرنا. جاء أيكوشار، وإيغلي، وبانشويا، ودوكسيادس، وغوتون، وغيرهم كثرٌ. جاؤوا حاملين ميثاق أثينا الذي صاغه المعمار الفرنسي لوكوربوزييه، ومخططات التنظيم المديني المعروف «بالحديث» ومعهم الجرافات، ليحولوا مدننا إلى أرض محروقة، يقيمون فوقها مدناً تنقلنا إلى «جنة الحداثة»، التي مازلنا إلى اليوم، نلهث للحاق بها، وإن بعد سقوطها. إلا أن مقاومة محلية عنيدة انتصبت هنا وهناك، واستطاعت أن تحد من النتائج الكارثية لهذه المخططات، وتمت المحافظة على أجزاء مهمة من مدننا التاريخية. وكل الأرقام التي ستلي، هي أرقامٌ تقريبية أذكرها للدلالة فقط.



تنشر بالتزامن مع جريدة «السفير» لبنان

طباعة