«الواقعيـة مـن منظـــور جديد».. كلاسيكية ممزوجة بــالمعاصرة

لوحات معرض «كوادرو» أثارت جدلاً فنياً بين الجمهور. تصوير: ساتيش كومار

لم تصدق توقعات مرتادي صالات الفنون التشكيلية في دبي في أن أحدث المعارض التي انطلقت في الإمارة، وهو غاليري كوادرو للفنون الجميلة سوف ينحاز دائماً في مقتنياته للاتجاه التجريدي والغرائبي من خلال قراءة المعرض الأول لهذه الصالة الجديدة، فضلاً عن إيحاءات السيرة الفنية لمديرها البحريني الذي استقر فترات طويلة من حياته في اسبانيا، الدكتور بشار الشروقي، حيث جاء المعرض الثاني الذي افتتح، أخيراً، في «جيت فيلديج» في مركز دبي المالي العالمي تحت عنوان «الواقعية من منظور جديد» ويستمر حتى 31 مارس المقبل، ضاماً مجموعات مهمة لأعمال عدد من الفنانين الواقعيين المعاصرين الذين ينتمون إلى الاتجاه الواقعي.

وأثار سقف هذه التوقعات المقلوبة جدلاً فنياً ملحوظاً بين رواد المعرض الذين استوقفتهم جماليات الممازجة بين أدوات كلاسيكية وتقنيات معاصرة بشكل أنتج تجارب فنية جديدة. سوف تكون محوراً لسلسلة توضيحية من الندوات سيحاضر فيها البروفيسور والفنان ديفيد هيويت الذي من المقرر أن يعرف بتقنيات المدرسة الواقعية، مستخدماً الأعمال المعروضة للإيضاح، سواء للجمهور الذي ستتاح له فرصة حضور هذه الورش أو للمتخصصين والفنانين التشكيليين.

ويسعى المعرض إلى تسليط الضوء على أسلوب كان قبل فترةٍ وجيزةٍ يعتبر حصراً على أساتذة المدرسة الكلاسيكية، وذلك من خلال إحياء أسلوبهم بمنظور جديد، ويلقي المعرض الضوء على أعمال أبدعها أساتذة كلاسيكيون، ولكن بأسلوب معاصر.

وفي حين تولي المدرسة الواقعية الكلاسيكية انتباهاً شديداً إلى أدق التفاصيل والأسلوب الفني سعياً إلى إعادة تكوين الواقع، فإن أعمال الفنانين المشاركين في معرض «الواقعية من منظور جديد»، من أمثال الإسبانيين بوتيستا نيتو وسيرجيو مارتينيز والأميركيين ديفيد هيويت وليونيل كاليش. تتحدى من خلال وضع الأشكال الكلاسيكية الرومانسية التقليدية وسط مساحات فارغة مقتضبة. ومع إحياء المهارات والتقنيات الكلاسيكية، يسهم هؤلاء الفنانون في استقدام الدراما إلى الواقعية كخيال وليس كواقع. وتسهم الأعمال التي يتضمنها المعرض في تعريف الجمهور بالأساليب الدقيقة التي ابتكرها وطورها وبرع فيها الأساتذة الأوائل.

الجودة في العمل

وقال مدير مركز كوادرو للفنون الجميلة، بشار الشروقي، إن «وظيفة أي معرض فني دائم هو عرض واستقطاب الأعمال الفنية الجيدة من دون انحياز إلى مدارس أو مذاهب بعينها، وعدم الاستسلام لمقولات سيادة اتجاه بعينه في حقبة زمنية ما».

وأضاف «ليس هناك عمل فني جيد لأنه واقعي أو تجريدي وخلافه، بل الجودة الفنية دائماً ما تستمد مشروعيتها من العمل الفني نفسه وما يزخر به من جماليات لونية ومعنوية سواء في المعالجة أو الرؤية والقدرة على استغلال الفراغات وتسخير الأدوات المستخدمة من أجل تقديم عمل فني يحوي تجربة خاصة»، مشيراً إلى أن «المعرض الثاني لكوادرو القائم الآن، تم إطلاقه بالشغف نفسه الذي أطلق به المعرض الأول حول الفن التجريدي، لذلك فنحن نقدم الآن لجمهور دبي أعمالاً تعيد إلى الأذهان روائع كبار الفنانين، ولكن برؤية عصرية. ولم ندخر جهداً في سبيل استقدام أعمال معاصرة تستخدم الوسائط المتعددة إلى دبي، حيث لم يسبق استضافة أو عرض هذا الأسلوب هنا من قبل».

وأشار عبدالله بن حمد بن سوقات، الرئيس التنفيذي لمجموعة «لايف ستايل» إلى أنه «على الرغم من أن الأعمال المعروضة في «الواقعية من منظــور جديد» تستخدم تقنيات الأساتذة القدامى، إلا أنها تجدد تقاليد الواقعية الكلاسيكية منتجة لوحات تخطف الأنظار»، لافتاً إلى أن من شأن مثل هذه المعارض تفعيل حضور الجمهور وتوفير تجربة ثقافية غنية في وسط المركز المالي. وفي إطار جهود مجموعة «لايف ستايل» الهادفة إلى إيجاد تجارب تغني أساليب الحياة في مركز دبي المالي العالمي، فإننا نسعى إلى استضافة ودعم المعارض التي تقدم إبداعات أبرز الفنانين الإقليميين والعالميين».

أرض خصبة

اعتبر مدير معرض «كوادرو» للفنون الجميلة بشار الشروقي أن التنوع الفني شرط مهم لنجاح أي معرض دائم للفنون، مضيفاً «لا يمكن لإدارة معرض أن تنتصر لمذهب أو اتجاه فني وتغيب غيره بناء على رؤى فنية ذاتية، لأن الإقرار بسيادة اتجاه بعينه مسألة شديدة النسبية».

وأكد «حرص «كوادرو» على ثراء التنوع الذي يتسق أيضاً مع التنوع الثقافي الذي تمثله دبي التي تُعد أرضاً شديدة الخصوبة لمشهدية ثقافية غنية، فعلى الرغم من افتتاح «كوادرو» بأعمال أقرب للتجريدية، فإن كل المدارس الفنية مرشحة لأن تستقطب أعمالها الجيدة فيه، وليس فقط الواقعية التي تنتمي إليها اللوحات المعروضة حالياً».

حوار فني

وصف المدير التنفيذي للمشروعات في هيئة دبي للثقافة والفنون، سعيد النابودة، تواتر إقامة المعارض الفنية بشكل لافت في دبي بكونه «حواراً فنياً يستدعي دائماً الفعل المتمثل في إقامة هذه المعارض، ورد الفعل المتوقع وهو التذوق الفني والمتعة البصرية والثراء الثقافي الذي يبقى غرضاً محورياً لكل الفعاليات الثقافية في هذا المجال»، مضيفاً «تسهم المعارض المتميزة مثل «الواقعية من منظور جديد» في توفير حافز لتعزيز الوعي بالحركات الفنية العالمية المعاصرة في دبي. وتقوم هذه المبادرات أيضاً بدور محوري في إثراء الحوار الفني فيها». ولفت إلى أن «هيئة دبي للثقافة والفنون تحرص على دعم المبادرات التي تعزز فهم وتقدير الفنون الحديثة من مختلف أنحاء العالم. وهذا المعرض يسهم في ترسيخ مكانة دبي مقراً رئيساً للفنون والثقافات العالمية».
طباعة