لولا فسحة الأمل المقتول

الأعراف السينمائية مثل الأعراف الدولية لا تنطبق على أطفال غزة. أ.ف.ب

يطالبك أي فيلم مشوق بالترقب، وما يترتب عليه من تمنيات، في ألا يقتل هذا وأن تنجو تلك، مع المعرفة المسبقة بمحظورات درامية تتمثل بعدم قتل الأطفال، إلا في استثناءات قليلة يكون الألم فيها مروعاً، وجرعة العنف على أشدها، والأثر الذي سيخلفه مشهد يحتوي على مقتل طفل لن يكون إلا صادماً ومروعاً، كما فعل مايكل هنكه في «ألعاب مسلية» وعينه على أن يضع المشاهد أمام حقيقة الضحية دون رتوش، ونقل الألم بحذافيره ومحظوراته.

الطفل سينمائياً له أن يكون أداة سينمائية صارت مجمعاً عليها بأنها معبر إلى الأمل، وتقليد أصبح راسخاً في عدد هائل من الأفلام الحربية، فغالباً ما يكون المشهد الختامي متروكاً لطفل يجر لعبته وسط ركام هائل من الدمار والخراب، أو ذاك الطفل الذي يأخذ نظارات أنطوني كوين في «عمر المختار» بعد مشهد شنقه، وغير ذلك مما تحمله الطفولة من معان بعد جرعات كبيرة من الظلم والاضطهاد والقتل.

يحرص السيناريو الاسرائيلي في غزة على أن يكون مختلفا تماماً عن كل ما تقدم، وعلى تحويله إلى مجرد وهم أمام واقع يتمثل بأن تكون البداية والنهاية وما بينهما موهوبة تماماً لقتل الأطفال، وبالتأكيد الحرص على قتل الأمل، وبما أن الصور تتوالى بلا توقف لأطفال مقتولين ومشوهين، فإننا نشهد موتهم، وصولهم إلى مستشفى «الشفاء» في غزة وتسليم أنفاسهم الأخيرة هناك، كما لو أنهم يغطون في نوم عميق، ولنكون في كل يوم على موعد مع ما هو أشد وأكثر إيغالاً في الألم، كأن نكون كمشاهدين «أحرار» شهوداً على طفل مرميّ على الأرض وما من مسعف، وحين يأتي من سينقذه فإننا سنكتشف أنه ميت، فهنا حتى الأمنيات محظورة، ولن تصطدم إلا بالقتل الاسرائيلي، الذي لن يتيح لك أن يكون ذاك الطفل على الأقل قد نجا، ولن تتيح لك الشاشة المنصوبة أمامك إلا رؤيتهم مقتولين بأحلامهم الملائكية أو في طريقهم إلى الموت البديل الاسرائيلي لألعابهم، إنهم أطفال ولدوا ليقتلوا، هذا كل ما تحمله الطائرات الاسرائيلية.

آمال النجاة من براثن القاتل التي بدأنا بها، والأمنيات وغير ذلك سنضعها جانباً، أنت أمام مليون ونصف المليون إنسان محصورين بما لايتجاوز الـ 300 كليومتر، ومن السماء تنهمر عليهم شتى أنواع الحمم والبراكين والقذائف والصواريخ واللعنات، وحين تسألهم المنشورات الإسرائيلية إخلاء بيوتهم، ستكون المأساة مضاعفة، والوهم أكثر من لئيم، كونه يستهزئ بأبسط ما يمكن أن يفعله الإنسان، ألا وهو الهرب، اللجوء إلى ما يحميه، ويبعد عنه شبح الموت، فالخيار الوحيد الموضوع أمام من في غزة، هو الهروب إلى موت آخر، موت بعيد بعض الشيء، ليس له أن يكون إلا في مدرسة أو بيت أحد الأقارب، ما دامت جميع الأبواب مؤصدة، وبين البيت والآخر ما من مساحة تتسع لقنبلة، فالقنبلة أو الصاروخ سيجد من يقتله بسهولة وما من شيء أسهل لدى الاسرائيليين من قتل الأطفال.

الأعراف السينمائية مثل الأعراف الدولية لا تنطبق على أطفال غزة، وكل ما توصلت إليه البشرية من مكتسبات لا علاقة لها بهم، إنهم خارج الإنسانية هذا لسان حال العالم الآن، إنهم من المريخ أو زحل، والبشرية لا تضمن حقوق الكائنات الفضائية وبراءتهم الغامضة، إنهم ليسوا سوى أرقام في رصيد الظلم المترامي الأطراف، أرقام من الصعب أن تدخل معادلة «التحضر» مادامت القنبلة الإسرائيلية لا تمهلهم حتى يكبروا ليقتلوا أيضاً.

طباعة