إخراج أميركي ونص عربي

«الموصل».. «نتفليكس» تسعى إلى احتكار «الأكشن» متوسط الميزانية

صورة

في الوقت الذي تعاني فيه صالات السينما المحلية ضعف المعروض، وفي الوقت الذي تعاني فيه دور السينما العالمية الإغلاق جرّاء وباء «كوفيد-19»، فإن «نتفليكس» لم تعدّ ظاهرة، بل تريد أن تسمى سينما المستقبل.

تعاني الصالات المحلية ضعفاً في جودة المعروض منذ سنوات عدة، وكل تركيزها انصب على أفلام الأبطال الخارقين، لأن حساباتها تجارية وليس هناك اعتبار للفن. بالمقارنة، فإن الأفلام في الصالات العالمية مختلفة إلى حد كبير عن صالات الدولة.

فلو أخذت جولة (قبل الوباء بالطبع) في ميدان بيكاديلي بلندن أو نيويورك أو تورنتو فإنك، ستجد أفلاماً عالمية - أي ليست من هوليوود - وستجد إنتاجات محلية من تلك الدول لا تصل إلى صالات الدولة وكلاسيكيات من الأربعينات والخمسينات يُعاد عرضها في الصالات لجماهير تقدر الفن السابع.

تحاول «نتفليكس» اليوم تطبيق ذلك، فهي تموّل أفلاماً في دول عدة في العالم، أي أفلاماً محلية بالنسبة لتلك الدول، وعالمية بالنسبة للجماهير خارجها، إضافة إلى استقطاب هذه المنصّة لعمالقة هوليوود، مثل: مارتن سكورسيزي وديفيد فنشر والأخوين روسو ومايكل باي وألفونسو كورون ورون هاورد وغيرهم، واحتضنت أفلامهم على المنصّة، وبهذه الطريقة ضربت عصفورين بحجر. يعني أن «نتفليكس» تنتج الفيلم المستقل الذي نبذته هوليوود لعقود، وتنتج الفيلم متوسط الميزانية، وتنتج حتى بلوكباستر كما رأينا في «6 أندرغراوند»، وبهذا فهي استحقت لقب سينما المستقبل.

فيلم «الموصل» يكمل ظاهرة جديدة لاحظناها على «نتفليكس» وقد تتحول إلى حقيقة لاحقاً، وهي محاولة المنصّة احتكار إنتاج أفلام (أكشن) متوسطة الميزانية، وقد شاهدنا سابقا Extraction

و Triple Frontier و Close.

«الموصل» مثل Extraction أي من إنتاج الأخوين روسو، وتدور أحداثه في الشرق الأوسط وتحديداً مدينة الموصل في العراق. «الموصل» يمثل حالة فريدة من نوعها على المنصّة فهو فيلم هجين، من كتابة وإخراج الأميركي ماثيو مايكل كارناهان، وأداء مجموعة ممثلين عرب، ومن أول إلى آخر دقيقة لا تسمع كلمة واحدة إنجليزية، بل كل الحوار باللهجة العراقية.

قصة الفيلم بسيطة ومركزة في مكان واحد، وهي عن وحدة نينوى، التي أخذت على عاتقها تحرير مدينة الموصل، أو ربما أجزاء منها من سيطرة ميليشيات «داعش» الإرهابية. الفيلم مقتبس من موضوع نشرته مجلة «ذا نيويوركر» عن تحرير تلك المدينة.

هذا ليس فيلماً بميول أميركية يسارية ينتقد الحرب، وليس بميول يمينية يقدس دور الجندي الأميركي الأبيض، أو المؤسسة العسكرية في إنقاذ سكان العالم الثالث، هذا فيلم عن شخصية رئيسة هي الرائد جاسم (العراقي سهيل دباش).

الرائد جاسم بعينيه الحادتين قائد فرقة من ستة رجال، إما أنه يقتل إرهابيي «داعش»، أو ينصح رجاله بشرب المياه أثناء المهمة، أو يصادق طفلاً تائهاً في الطريق بعد هروبه من جحيم الحرب. دباش هو قلب وروح الفيلم وينقل بأدائه الجميل معاناة العراقيين في تلك المحنة، وفي الوقت نفسة ينقل بصيص أمل وإصرار على أن القادم أفضل. يوظف كارناهان (الدرون) أو (المسيّرة) لالتقاط صور للدمار الشامل الذي ضرب المدينة قبل أن ينتقل إلى مشهد القتال الأول. فرقة نينوى مكونة من رجال شرطة المدينة الذين يحفظون جغرافيتها عن ظهر قلب، ومعروفون بتشددهم مع الإرهابيين ويتميزون بولائهم الشديد لوطنهم، فلم يغير أحد منهم ولاءه قط وانضم لـ«داعش» لإنقاذ نفسه ولم يؤسر أي منهم.

تبدأ القصة عندما يتدخل الرائد جاسم لإنقاذ كاوا (التونسي آدم بيسا - 21 عاماً)، الذي انضم للتو إلى الشرطة وعمه وضابط ثالث. ينضم كاوا إلى الفرقة بعد التدقيق في خلفيته بشكل بدائي، إذ يحمل الرائد معه قائمة أسماء للتأكد من المنتسبين لـ«داعش». ثم تأخذ فرقة نينوى جثث قتلاها معها وتأخذ الأموال من جيوب أفراد العدو المقتولين كما تستولي على أسلحتهم.

الهدف واضح وهو أولاً القضاء على الإرهابيين ودولتهم المزعومة، ثم إعادة بناء مدينتهم التي عشقوها.

كارناهان لا يسعى إلى اختراع جديد في الصنف أو الإضافة إليه، ولا حتى الاستعراض بلقطة واحدة من «الأكشن» بطول 12 دقيقة، كما حدث في «إكستراكشن»، ومن الواضح أن الإبهار ليس هدفاً للفيلم.

«الموصل» مهتم بما سيحدث بعد زوال «داعش»، نعلم من الحوارات ومن لقطات رمزية، مثل ميول الرائد جاسم لالتقاط القمامة أينما كان ووضعها في المكان المناسب. وهو ما يعكس رغبته في تنظيف المدينة التي تربى وعاش فيها طول حياته.

يحاول كاوا تجاوز حقيقة أن زملاءه تركوا الشرطة والتحقوا بالتنظيم الإرهابي لإنقاذ أنفسهم بدلاً من التضحية بأنفسهم من أجل المدينة وأهلها. معظم حوارات أعضاء فرقة نينوى تدور حول الأقرباء الذين فقدوهم والخسائر التي تكبدوها، في ظل حكم إرهابيين يتعاطون المخدرات وقتلوا الرجال واغتصبوا النساء. وهي كلها قصص تخدم هدف الفيلم الرئيس، وهو سرد القصة من وجهة نظر عراقية، أو كما قال الرائد جاسم: «سنعيد بناء المدينة.. لكن أولاً علينا قتلهم جميعاً».

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


 

هذا ليس فيلماً بميول أميركية يسارية ينتقد الحرب، وليس بميول يمينية يقدس دور الجندي الأميركي الأبيض.

هدف الفيلم سرد القصة من وجهة نظر عراقية، أو كما قال الرائد جاسم: «سنعيد بناء المدينة.. لكن أولاً علينا قتلهم جميعاً».

طباعة