يتخبط ويعاني إخفاقات فنية

«ريبيكا» «نتفليكس» لا يرقى إلى رؤية ألفريد هيتشكوك

صورة

كل من فتح تطبيق «نتفليكس»، الأسبوع الماضي، وجد فيلم «ريبيكا» أمامه. قلة تعلم أن أعظم صانع أفلام في تاريخ السينما، الأسطورة ألفريد هيتشكوك، أخرج النسخة السينمائية الأصلية عام 1940، وفاز «ريبيكا» هيتشكوك بأوسكار أفضل فيلم آنذاك، وكان أوسكاره اليتيم.

بعد 80 عاماً تعيد «نتفليكس» تلك الكلاسيكية مجدداً، دون إخراجها من سياقها الزمني (ثلاثينات القرن الماضي)، بطاقم جديد، ولا يوجد قانون يمنع إعادة صنع الكلاسيكيات، لكن من الصعب المساس بكلاسيكية، خصوصاً لو كانت النسخة الحديثة رديئة ولا ترقى إلى رؤية سيد أفلام التشويق.

لكن عندما يُجدد الفيلم فالسؤال دائماً: من المخرج؟ إنه بين ويتلي.

«ريبيكا» كتبه جين غولدمان وجو شرابنيل وإيمي ووترهاوس، ومقتبس من رواية دافني دو مورييه بالعنوان نفسه، ونشرت عام 1938، وهي مصنفة Gothic Romance، أو جرمانية وغوثيك تحديداً تصنيف مستقل أدبياً ظهر في إنجلترا بالنصف الثاني من القرن 18، وهو محل جدل سينمائياً، فبعض المؤرخين يراه مستقلاً والبعض الآخر يدرجه تحت الرعب كاتجاه فرعي، رغم أن بدايات سينما الرعب تأثرت بـGothic وليس العكس، وأبرز المخرجين الألمان الذين هربوا إلى هوليوود من النازية، مثل أوتو برمنغر وفريتز لانغ، لم يخفوا تأثرهم بـGothic في أفلامهم.

كانت هناك اقتباسات عدة لـ«ريبيكا»، أولها مسرحية إذاعية لأورسون ويلز، وثانيها كلاسيكية هيتشكوك، ثم مجموعة مسلسلات قصيرة، ورغم أن دو موريير كتبت أكثر من 15 رواية إلا أن ريبيكا هي الأشهر، والتي لم تنقطع طباعتها إلى اليوم.

جوهر القصة عن امرأة ساذجة تُفتتن برجل أرمل غامض اسمه ماكسيم دي وينتر، وتنتقل معه للعيش في قصر عائلته المسمى ماندرلي، هناك تجد نفسها في عالم تتحكم به زوجته السابقة ريبيكا الميتة، لكن وجودها محسوس في كل مكان من القصر، حتى الفراش والمخدات عليها أول حرف من اسمها.

كل من يعمل في القصر أو زاره يقول إن ريبيكا أجمل امرأة رآها في حياته، هنا تخشى الفتاة، أو السيدة دي وينتر الجديدة، أنها لن تستطيع الوصول إلى مستوى ريبيكا.. ومخاوفها مبررة.

يبدأ الفيلم بصوت البطلة تقول إنها حلمت الليلة الماضية بأنها عادت إلى ماندرلي قبل الانتقال إلى بداية القصة في مونت كارلو الفرنسية، حيث نرى فتاة (ليلي جيمس) تعمل لدى امرأة انتهازية تدعى فان هوبر (آن دوود) وتعاني منها.

ذات صباح، ينقذ ماكسيم دي وينتر (آرمي هامر) البطلة من موقف اجتماعي محرج فتأسر قلبه، يدعوها إلى جولة بالسيارة، الأقاويل المتداولة أن ماكسيم ما زال مفطور القلب على وفاة زوجته ريبيكا، لكن بعد قليل من الرومانسية معها يطلب منها الزواج ويأخذها إلى ماندرلي.

بمجرد دخول السيدة دانفرز (كريستين سكوت توماس) بعينيها المظلمتين الباردتين، كالثعبان، في مشهدها الأول، لتلتقي بساكنة القصر الجديدة، يشتعل موضوع الفيلم الأساسي وهو الغيرة، تضع توماس أساساً قويا في الثانية التي تدخل فيها.

وجهها أبيض للغاية من طبقة البودرة الثقيلة، وشفتاها بلون أحمر فاقع، وأداؤها إلى حد ما يعيد إلى الذاكرة دور جوديث أندرسون في الشخصية نفسها المرعبة عام 1940. تتجول دي وينتر الجديدة في القصر ولا تجد سوى هوس الجميع بسيدة القصر السابقة، وهو ما يجرح مشاعرها ويعمّق ارتباكها، وما يزيد الطين بلة تحول زوجها من عاشق إلى رجل غاضب يخفي أسراراً من الماضي.

تتخبط ليلي جيمس في الدور، فهي مرتبكة في البداية وقوية بلا مبرر في النصف الثاني من الفيلم! لو نظرنا إلى نسخة 1940، نجد أداء جون فونتين يعكس بشكل لا لبس فيه أن تجربة البطلة مع ماكسيم هي تجربتها الأولى مع رجل، نجد الارتباك والضعف والسذاجة تسيطر على أدائها من أول دقيقة إلى آخر الفيلم، بكل ما في الكلمة من معنى، خصوصاً لقطة إغمائها الشهيرة في مشهد المحاكمة.

هناك مشهد تهلوس فيه البطلة وسط حفلة في القصر، وتسمع الجميع يناديها ريبيكا، السؤال هنا: لو حذفنا هذا المشهد، هل سنفهم أن البطلة تعاني صراعاً نفسياً؟ أو لماذا شعرنا بقوة الصراع في نسخة هيتشكوك 1940 من دون أن يضطر إلى صنع مشهد مماثل؟

آرمي هامر أداؤه متصنع وممل، يبدأ الفيلم بقوة ويضيع بعد ذلك، خصوصاً في الجزئية التي يخرج فيها سر ريبيكا، وأداؤه عموماً لا يثير فضول المشاهد. موسيقى كلينت مانسيل لا علاقة لها بما يحدث على الشاشة، رغم أن موسيقاه في أفلام سابقة مثل «ذا هول» و«مون» و«بلاك سوان» كانت من الروائع.

عندما يبدأ ماكسيم في التحدث عن ماضيه الحزين نسمع عزف بيانو في الخلفية لا ترابط بينه وبين ما يقال، الموسيقى تصنع أجواء نوستالجيا إلى حد ما، و حزينة إلى درجة ما، وكئيبة بعض الشيء في ذلك المشهد، وكأن الموسيقى غير واثقة بدورها!

لا جيمس مقنعة ولا هامر مُرضٍ، ولا توماس تعرف كيف تؤدي السيدة دانفرز بشكل مقبول رغم أنها أفضل من زميليها، حتى عندما تكون توماس في أفضل لحظاتها فإنها تبدو كأنها في فيلم آخر، أداء الثلاثة لا يصمد أبداً عند مقارنته بأداء جون فونتين ولورانس أوليفيير وجوديث أندرسون في ريبيكا هيتشكوك.

تتمتع أفلام الأبيض والأسود بقوة تعبيرية وفنية تفتقدها الأفلام الملونة، وقليل من صناع الأفلام يتمكنون من إبراز القوة التعبيرية في الأفلام الملونة (ستيفن سبيلبيرغ مثلاً). «ريبيكا» بالأبيض والأسود وتحت إدارة هيتشكوك هو تحفة فنية سينمائية فازت حتى بأفضل تصوير سينمائي آنذاك.

بكلمات أخرى، لو أُسند هذا الفيلم لسبيلبيرغ لربما جدّد «ريبيكا» هيتشكوك.

هناك فرق شاسع بين أن تشعر بوجود شخصية ميتة في الفيلم، من دون أن تراها بسبب لغة الكاميرا، لأن المخرج متمكن من مادته ويستخدم لونين فقط لإبراز ذلك: أبيض وأسود، وبين أن ترى المخرج يضطر إلى إدخال مشهد هلوسة الشخصية، ليقول لك إن الميتة موجودة وأنت فعلياً لا تشعر بوجودها، رغم أن المشهد يحوي كل الألوان: أحمر، أزرق أصفر، أبيض!

هناك مشهد في «ريبيكا» هيتشكوك سابق لزمانه، يتحدث فيه ماكسيم عن حادث موت ريبيكا والكاميرا تصف حركاتها في الجلوس والقيام والمشي، لا نرى سوى حركة الكاميرا ونسمع صوت ماكسيم، هذا بالضبط ما يسمى سينما أو filmmaking، هذا ما يميز السينما عن الفنون الأخرى.

هناك سبب لقرار هيتشكوك أن الكاميرا هي التي يجب أن تصف المشهد وليس ماكسيم، وهذا سبب إخفاق «ريبيكا» بين ويتلي في النواحي الفنية.

يذكر أن «ريبيكا» هو ثاني فيلم مُعاد لهيتشكوك، فقد أعاد غاس فان سانت فيلم «سايكو» عام 1998 إعادة تجريبية لقطة بلقطة وفشل فشلاً مدوياً.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


آرمي هامر أداؤه متصنع وممل، يبدأ الفيلم بقوة ويضيع بعد ذلك، وأداؤه لا يثير فضول المشاهد.

جوهر القصة عن امرأة ساذجة تفتتن برجل أرمل غامض، وتنتقل معه للعيش في قصر عائلته.

طباعة