يستغل الموضوعات المثيرة لمشاعر الجمهور

«ذا بانكر».. قصة غير معروفة في قالب مألوف

صورة

منذ أشهر عدة، أرادت شركة «أبل» الاعتماد على مشروع سينمائي تقتحم به حفل الأوسكار، وتعلن حضورها كلاعب جديد في عالم الأفلام. كان الفيلم الذي اعتمدته «أبل» هو «The Banker»، (المصرفي)، المرتكز على «كاريزما» نجمين، أحدهما عجوز والآخر شاب؛ العجوز ساميول إل جاكسون والشاب آنثوني ماكي، والاثنان ظهرا معاً في أفلام «عالم مارفل» السينمائي.

لكن خطة «أبل» تغيرت عندما تقدمت سينثيا غاريت ابنة برنارد غاريت، وهو أحد شخصيتي البطولة، والذي يجسده ماكي، بدعوى تتهم فيها أخاها غير الشقيق برنارد غاريت جونيور (وهو أحد منتجي الفيلم)، بالتحرش الجنسي بها وبشقيقتها عندما كانتا طفلتين.

كان الفيلم جاهزاً للعرض في الليلة الختامية لمهرجان أفلام مؤسسة الفيلم الأميركي في نوفمبر الماضي، ثم العرض السينمائي في السادس من ديسمبر والتأهل لجوائز الأوسكار، لكن الحسابات تغيرت بعد دعوى سينثيا، ولأن شركة «أبل» تتجنب كل ما يثير الجدل قررت سحب الفيلم من المهرجان وإلغاء العرض السينمائي، وشطب اسم برنارد غاريت من خانة الإنتاج، وتأجيل العرض إلى هذا الشهر.

«المصرفي» مقتبس من قصة حقيقية غير معروفة على نطاق واسع، لمستثمرين أميركيين من أصول إفريقية تحايلوا على النظام المالي الأميركي في الخمسينات والستينات، وبنوا إمبراطورية مالية، وعملوا على زيادة الوعي ضد ممارسات الإسكان العنصرية في الولايات المتحدة في ذلك الوقت.

عندما نقول تحايلوا فذلك لا يعني أنهم اختلسوا أموالاً لكنهم وظفوا الحيلة لرفع الظلم عن أنفسهم، وللتأقلم مع العمل في بيئة تستبعد العنصر الأسود من تملك أي شيء تحت سيطرة الإنسان الأبيض دون وجه حق.

المعركة في «المصرفي» على الحقوق المدنية المتعلقة بصناعة أو تملك العقار والسلاح الرئيس هي رأس المال، الذي تقع غالبيته تحت سيطرة البيض. ينوي برنارد غاريت (ماكي) دخول سوق العقار والتحايل على قوانين التمييز العنصري، وهو حلم يداعب خياله منذ طفولته في ثلاثينات القرن الماضي، ويقرر تأسيس عمله الخاص بصحبة زوجته يونيس (نيا لونغ) وابنهما.

تعرّف يونيس زوجها بصديقها القديم جو موريس (جاكسون) الصاخب ذي النكات اللاذعة، التي يلقيها على الآخرين دون تفكير في مشاعرهم. يصبح موريس وغاريت شريكين لكن البيئة العنصرية تمنعهما من عمل أشياء كثيرة، ما يحتم عليهما إيجاد شخص ثالث أبيض يكون في الواجهة.

يقرران توظيف مات شتاينر (نيكولاس هولت) وهو شاب أبيض من الطبقة الكادحة ويدربانه كحليف وليس كشريك، كي يكون حصان طروادة لهما للدخول إلى الأماكن التي لا يستطيعان دخولها وحدهما، ويطلق الثلاثة مجموعة عمليات راديكالية من خلف الكواليس لإسقاط التمييز العنصري في صناعة العقار.

وبما أنهما في لعبة العقار فقد علما أنها اليد اليمنى لأعمال الصيرفة، فقررا الدخول في الأخيرة إلا أنهما واجها المشكلة نفسها وهي عدم قدرة رجلين أسودين على دخول باب المؤسسات المالية، وإن دخلا فلن يلتفت إليهما أحد، وحتى لو كان الشخص المطلوب مقابلته موجوداً أمامهما ويراهما فسيطلب منهما المغادرة، لذا فإنهما يستخدمان حيلة حصان طروادة لتحقيق مبتغاهما.

«المصرفي» من إخراج جورج نولفي، وهي قصة غير معروفة يسردها الفيلم في قالب مألوف جداً؛ ما يعني أن نولفي يخشى المخاطرة. نولفي وكتّابه نيسيول ليفاي وديفيد لويس وستان ينغر ركزوا على الموضوعات التي تثير مشاعر الجمهور وتجعله يصفق لها، والتي فعلتها كل أفلام السيرة الذاتية قبل هذا الفيلم، والتي سئمنا منها إلى حدٍّ ما.

تضيف المصورة الدنماركية شارلوت كريستينسين إضاءة بنية داكنة لتعطي الصورة ملامح قِدم. هناك مشهد عاطفي جداً يلقي فيه غاريت «مونولوغ» في محكمة أمام مجموعة قضاة بيض، يشتكي قسوة النظام العنصري والقمع. وهناك مشاهد الشخصيات تجتمع لتقول إن خوض أمرٍ ما سيكون مستحيلاً، لكنهم يقهرون المستحيل ويخوضونه لتحقيق حلمهم. لا نقول إن ذلك سيئ، لكنه ليس جديداً بل أصبح «كليشيهاً». يحاول «المصرفي» أن يحقق الهدف الذي حققه فيلم «Hidden Figures» منذ أربعة أعوام، فبدل إعادة إحياء شخصيات حقيقية بارزة من كتب التاريخ سينمائياً، مثل «سيلما» و«Loving»، فإنه يكشف أسماء شخصيات عادية تحدت النظام القائم، بالضبط كما حدث مع المهندسات في الفيلم المذكور أول هذه الفقرة.

لكن بعكس «Hidden Figures»، فإن «المصرفي» ليس بحاجة لوضع شخصية بيضاء متعاطفة مع العنصر الأسود لكسر رتابة الهجمات العنصرية التي تتعرض لها شخصياته، لكنه يركز على علاقة الثلاثة أو شراكة برنارد وجو بالتحالف مع مات كنوع من الانتقاد للنظام القائم آنذاك، ويقول بوضوح إنه حتى الحلفاء قد يواجهون الفشل رغم نواياهم الطيبة.

رغم أن ماكي يؤدي شخصية جادة وبوجه قاتم عانى الكثير، فإن الفيلم لا يسمح له بأكثر من ذلك باستثناء بعض اللحظات هنا وهناك، لكن جاكسون هو من يشعل الفيلم بأداء مرح ونبرة ساخرة وصوت مضحك في طريقة إلقائه الحوارات حتى لو لم تكن نكاتاً. شخصية جاكسون كرجل أعمال يُساء تقديره في المجتمع ويتفق مع برنارد في أن الأقلية السوداء في أميركا تستحق أكثر، خصوصاً أنها تعيش وضعاً اقتصادياً واجتماعياً حرجاً. بإضافة نفوذ مات إلى الشراكة وهو الذي يجب أن يتعلم كيف يتصرف ويقدم نفسه كرجل غني من الساحل الشرقي؛ فإن الإضافة تعطي رؤية أعمق عن العوامل الطبقية في عالم الأعمال. يونيس لا تفعل الكثير في النص سوى دعم زوجها، وأحياناً تشاركهم في التحايل على القوانين، وتعرض أزياء تلك الحقبة!

«المصرفي» من الأفلام النادرة التي لا تركز على سرقة بنك أو تشيطن الرأسمالية، لكن يمكن النظر إليه من زاوية مختلفة، صحيح أنه لا يأتي بجديد في سياق أفلام السير الذاتية، لكنه فيلم يتمتع بالأصالة من ناحية أسلوب الشخصيات في الحصول على مبتغاها دون الإضرار بأحد، فمثلاً عندما يدخل مات إلى المصارف لينفذ تعليمات حليفيه، فإنهما يكونان معه متنكرين في هيئة سائق ومنظف يستمعان إلى حواراته، وإن احتاج إلى مساعدة فإنه يلتقي معهما في الحمام للإصغاء إلى إرشاداتهما.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


وهذا بالضبط التصريح السياسي للفيلم: من دون دعم المصارف؛ فإن الأميركيين السود يُحرمون حق تكوين الثروة.

التصريح السياسي للفيلم: من دون دعم المصارف فإن الأميركيين السود يُحرمون حق تكوين الثروة.

ماكي يؤدي شخصية جادة وبوجه قاتم عانى الكثير، إلا أن الفيلم لا يسمح له بأكثر من ذلك، لكن جاكسون هو من يُشعل الفيلم بأداء مرح ونبرة ساخرة وصوت مضحك.

طباعة