«كريد 2».. جيد جداً رغم التشتت بين بطلين - الإمارات اليوم

ثامن أفلام «السلسلة» خلال 42 عاماً

«كريد 2».. جيد جداً رغم التشتت بين بطلين

صورة

هناك الكثير جداً من أفلام الملاكمة، ولو تتبعنا تاريخها سنجدها تعود إلى أوائل الثلاثينات من القرن الماضي. لا توجد رياضة حازت هذا العدد الكبير من الأفلام إلا الملاكمة. لكن من كل تلك الأفلام برزت سلسلة واحدة، امتدت على مدى أربعة عقود تسمى «روكي»، التي حاز أول عمل فيها جائزة أوسكار أفضل فيلم عام 1976.

«كريد 2» هو الفيلم الثامن في سلسلة أفلام «روكي»، والجزء الثاني من كريد المتفرع من روكي، لكن السؤال لماذا نشاهد كثيراً من أفلام الملاكمة، رغم أنها كلها تقريباً متشابهة تتبع معادلة واحدة لم تتغير منذ الثلاثينات؟ سنجيب عن السؤال من خلال هذه القراءة.

يبدأ الفيلم بعد خسارة البطل أدونيس كريد (مايكل بي جوردان) مباراة ملاكمة لصالح منافسه ريكي كونلان (أحداث الجزء السابق)، نرى كريد قد صنع لنفسه اسماً بعد انتصاره في مجموعة مباريات، وحيازته لقب بطل العالم في الوزن الثقيل.

بعد تحقيق النجومية، يتزوج كريد صديقته بيانكا (تيسا تومبسون). وينتقل الفيلم إلى إيفان دراغو (السويدي دولف لندغرين) الذي قتل والد كريد، أبولو، في الحلبة منذ 33 عاماً (أحداث روكي 4 عام 1985). ومن ثم هزيمته على يد روكي في موسكو في ذلك الفيلم. دراغو يريد استعادة مجده المسلوب من تلك الجولة الخاسرة، بتقديم ابنه فيكتور (الروماني فلوريان منتينو)، وهو البطل الثاني في الفيلم لينازل كريد.

يرفض روكي (النجم الأميركي سلفستر ستالون - كاتب كل أفلام السلسلة الثمانية ومخرج معظمها باستثناء الأول والخامس وفيلمي كريد) - الذي أخذ على عاتقه تدريب كريد الذي يعد ابن منافسه السابق أبولو - قرار كريد منازلة فيكتور، فيشعر كريد بالإحباط ويقرر المغادرة إلى لوس أنجلوس. يستعد كريد لمنازلة فيكتور بمساعدة ابن مدرب والده. تحمل زوجته وتنجب طفلة. يدخل كريد إلى المنازلة بروح استعجال وهو مشوش نتيجة تخلي روكي عنه، ويصاب إصابة بليغة ويسقط أرضاً دون أن يخسر المباراة، بسبب تجاوزات ارتكبها فيكتور بعد سقوط كريد أرضاً، تسببت بتجريد فيكتور من اللقب وبقائه عند كريد.

ينقل كريد للعلاج وبعد أن يتعافى يقرر منازلة فيكتور مجدداً في موسكو هذه المرة، ويستعين بمدربه السابق روكي ويدخل تدريبات شاقة جداً، بينما تدخل زوجته عالم الغناء، ويذهب الجميع إلى موسكو لمقارعة الروس. ما سردناه هنا هو كل الفيلم باستثناء المشهد الأخير، رغم ذلك لم نفسد شيئاً لأن كل أفلام الملاكمة هكذا متشابهة.

المعادلة كالتالي: بطل مغرور يتعرض لهزيمة ليصبح مستضعفاً كما كان في بداياته، تعلمه الهزيمة درساً فتتغير شخصيته، ويخوض التدريبات الشاقة نفسها التي خاضها في بداياته قبل العودة للنزال مجدداً واستعادة أمجاده، وبذكرنا المعادلة سيعرف القارئ من المنتصر في المباراة النهائية.

ليس هناك أي مفاجآت لأن الفيلم حذر، ويريد مخرجه ستيفن كيبل والكاتب ستالون إرضاء عشاق السلسلة، باستعارة عناصر من الجزأين الثاني والرابع، ما يعني أن صناع الفيلم يفضلون استثارة النوستالجيا على تقديم جديد. والغرض من ذلك هو إعادة تقديم السلسلة إلى الجيل الجديد، بالضبط كما تفعل أفلام حرب النجوم.

رغم ذلك «كريد 2» فيلم جيد إلى حد كبير، ويحسن كثيراً استخدام الكليشيهات لخدمة عناصر قصته. لو قررنا تجاهل الكليشيهات وحقيقة أنه فيلم مكرر كسائر أفلام الملاكمة، سنجد هناك عيباً واحداً آخر هو تشتت الفيلم بين بطلين: كريد وفيكتور! هل هذا فيلم شخصية كريد؟ نعم! هل هذا فيلم فيكتور؟ الإجابة أيضاً نعم! رغم ذلك.. الفيلم يتعامل مع كريد على أنه البطل ويحرص على أنسنة فيكتور ويضع له هدفاً مادياً (البطولة)، وآخر عاطفياً (لمّ شمله مع والدته) ما يجعله مستضعفاً هو الآخر! في الوقت نفسه يضع الفيلم هدفاً عاطفياً لكريد (رد الاعتبار لنفسه ولأميركا ولتتذكره ابنته الوليدة بطلاً عندما تكبر)، ويضع هدفاً مادياً احتفاظه بالبطولة.

قصة فيكتور أفضل من كريد، وتفاصيلها مثيرة أكثر للاهتمام، فهو الفتى الذي نشأ على خلفية هزيمة والده أمام روكي عام 1985، ما نتج عنه انفصال والديه، وهذه قصة عاطفية قوية جداً لفيلم ملاكمة، لكن «كريد 2» لا يهتم بها كثيراً، ويركز على البطل فقط إلا أنها من شدة قوتها تسببت في تشتت الفيلم، خصوصاً في منتصفه.

كان من الأفضل لو خصص هذا الفيلم كل مساحته الزمنية لفيكتور، وجعل منازلته ضد كريد موضوع الفيلم التالي. بهذه الطريقة ستتحول سلسلة روكي إلى عالم سينمائي على غرار عالم مارفل، وهي مؤهلة بالكامل لذلك، خصوصاً أنها تتمتع بإرث يمتد 42 عاماً، ونجحت في التأقلم مع التغيرات التي طرأت على صناعة السينما من جهة، وعلى عقلية الجماهير من جهة أخرى.

الجماهير تتقبل أفلام روكي، لأنها أصبحت مرادفة للملاكمة سينمائياً ومضرب مثل. الملاكمة رياضة فردية وتالياً يسهل التركيز على عنصر واحد وليس على فريق. أفلام روكي ركزت على بناء شخصية المستضعف، وهو ذلك الذي شق طريق الكفاح نحو المجد، تعرض لهزائم قبل أن يصنع المجد لنفسه ويحرز البطولة. روكي أو كريد عن المستضعف الذي يخوض تدريبات قاسية جداً، ليحصد ثمارها في نزالات التحدي ويقهر خصمه.

روكي/‏كريد عن المستضعف الذي يمثل المجتمع المقهور أو المنبوذ أو الفقير، أو يمثل دولته أميركا ويهزم الخصم السوفييتي دراغو عام 1985، في آخر أيام الحرب الباردة بين الراحل رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف، وينازله مجدداً عام 2018، في ظل العلاقات المتوترة بين واشنطن دونالد ترامب، وموسكو القيصر فلاديمير بوتين.

روكي/‏كريد المستضعف يحارب الفقر والفساد والسياسة، فالملاكمة في السينما رمز لأشياء كثيرة وليست مجرد رياضة. مهما تكررت قصة المستضعف فستنجح دائماً لأنه يمثل عامة الجماهير وليس فئة محددة. مهما شاهدنا قصصاً عنه، سيظل المستضعف معشوق الجماهير لأنه بطل قصة كفاح. هذا هو سر نجاح أفلام الملاكمة على مر العقود، وهو سبب نفسي في المقام الأول.

من أجمل إشارات الفيلم، وكل أفلام روكي، أن لا شيء يهزم البطل سوى غروره واعتياده النعومة والرفاهية، ولا يقويه ويعيد صقله روحاً وبدناً سوى التدريبات الشاقة، والعودة إلى الأساسيات التي صنعت منه بطلاً.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


نصيحة للقراء

اتركوا كل كتب تطوير الذات في المكتبات فهي مليئة بالهراء النظري، وشاهدوا أفلام روكي وكريد فهي أفضل علاج للإحباط النفسي، روكي ليست مجرد أفلام، بل هي دروس في الحياة تملأ الروح تفاؤلاً وطموحاً، وتزيد صلابة الشخص وتلهمه لتذليل الصعاب وقهر التحديات، ورسم خريطة كفاحه في الحياة.

روكي/كريد المستضعف يحارب الفقر والفساد والسياسة، فالملاكمة في السينما رمز لأشياء كثيرة وليست مجرد رياضة.

أجمل إشارات الفيلم أن لا شيء يهزم البطل سوى غروره واعتياده النعومة والرفاهية.

طباعة