مهرجان برلين السينمائي في ثالث أيامه

ثورات الــ «فيس بوك» السينمائية وكوميديا الأتراك المأساوية

«ألمانيا» فيلم يتناول قصة هجرة الأتراك إلى ألمانيا. أرشيفية

برلين ليست بيضاء، تخرج من قصر «البرليناله»، ما من ثلج يغطي كل شيء، أو كما في الدورات السابقة، حيث كثافة الثلج على تناغم تام مع عروض الأفلام الكثيرة. في الدورة الـ 61 ما من آثار تدل على البرد، إنه موجود، لكن من دون ثلج يجعله فاقعاً، كما هي الحال مع الأسماء الفاقعة في السينما التي ستكون بهارات لا تضيف شيئاً على نكهة الاكتشاف التي انتقلت عدواها بكثافة إلى المسابقة الرسمية، ولم يعد على ما يبدو يكفي المهرجان البرامج الكثيرة الأخرى المخصصة لتلك الاكتشافات، ومتى كان الحديث عن النجوم فلها أن تكون هوليوودية بامتياز، الأمر الذي سنعثر عليه فقط مع فيلم الافتتاح «ترو غريت»، حيث الأخوين كوين برفقة جيف بريدجز وجوشين برولين، أو ربما وبدرجة أقل مع كيفن سبايسي وجيرمي أيرون مع فيلم «مكالمة عاجلة» المستقل، ولتكون الكلمة الفصل في برلين للسينما الأميركية المستقلة، والتجارب الإخراجية الأولى، وبما يجعلنا على مستوى عالمي أوسع أمام ما يفكر فيه جيل سينمائي جديد، سنلتقطه تماماً مع فيلم عمٌٌىَه شُ شوم سً «صراخ إلى السماء» للمخرجة فيكتوريا ماهني في تجربتها الروائية الطويلة الأولى، التوصيف الذي سنكرره كثيراً ونحن نعرض للأفلام التي نشاهدها في هذه الدورة.

قبل المضي مع فيلم ماهني، سيكون لنا أيضاً أن نتحدث عن تناول النشرات اليومية التي تصدرها المجلات السينمائية أثناء المهرجان للأحداث في مصر، فبينما اهتمت «فارايتي» بما سيحمله السينمائيون المصريون من أفلام مرتقبة من ميدان التحرير، مع تأكيد المنتج محمد حفظي أن الكثير مما حملته الأيام الأخيرة صوّر من قبل مخرجين كثر كانوا موجودين وفاعلين في ميدان التحرير، مثلما هي الحال مع المخرج أحمد عبدالله صاحب «ميكروفون» وبطل ذاك الفيلم خالد أبوالنجا، وصولاً إلى المخرجة مريان خوري صاحبة فيلم «ظلال» ومديرة شركة مصر الدولية للأفلام، والتي أفردت لها مجلة «هوليوود ريبورتر» صفحتها الأولى لسرد قصتها عن الاعتداء الذي تعرضت له أثناء قيامها بنقل بطانيات في سيارتها إلى المتظاهرين في ميدان التحرير.

من جانب، آخر فإن الثورات التي وجدت انطلاقتها من الشكبات الاجتماعية «فيس بوك» و«تويتر» لها أيضاً أن تنتقل إلى عالم السينما اليوم، إذ يكثر الحديث في «برلين السينمائي» عن الدور المتعاظم لهذه الشبكات في مجال التمويل والترويج للأفلام، وتواصل المنتجين وصناع السينما مع المشاهدين، كما هي الحال مع كيفين سميث على «توتير» الذي يتواصل مع أكثر من 1.7 مليون شخص، أو منتجين آخرين مثل يورب كورب التي طالبت من المشتركين على «فيس بوك» التصويت للسيناريو والممثلين المرشحين لمشروعها المقبل.

نترك ما تقدم جانباً ونمضي إلى «صراخ إلى السماء»، الذي يصعد - أي الصراخ - من أميركا، لعله صراخ عال جداً يحمل الكثير من التوثيق لأميركا اليوم من خلال فتاة اسمها سويتنس أوهارا (زوي كرافيتس) لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها من أب أبيض وأم زنجية، وفي حي يحاصره العنف والجريمة والمخدرات، والدها كحولي يتبدل مزاجه في ثوان، يضرب أمها، يضربها وكل من في البيت، لا بل إن جرعات العنف التي يحملها الفيلم ستجعل من سويتنس عرضة دائماً لكل ما يقودها إلى تغيرات جذرية ستفتح لها الباب على مصراعيه أمام عالم المخدرات، ترويجاً وإدماناً، مع محاولاتها المضنية أن تكون على غير ما هي عليه.

سيبدو كل ما تقدم مادة خصبة في أفلام كثيرة، لولا الأسلوب الذي صنعت ماهني فيلمها على اساسه، فهنا الكاميرا محمولة وعلى شيء من إضفاء روح توثيقية على الروائي، ولعلها الوسيلة الأمثل لمقاربة الواقع بكل فجاجته، والتي أصبحت توجد في تجارب كثيرة تكون عينها على رصد العالم السفلي أو الأحياء الهامشية في المدن الكبرى، والفيلم مبني وفق ثلاثة تغيرات درامية في شخصية سويتنس التي تنتقل من كونها ضعيفة وبعيدة عن ما يسود الحي من عنف، ومن ثم انتقالها إلى القوة وانخراطها بكل ما كانت تهرب منه، ومن ثم رغبتها في الهرب من الحي الذي تقطنه وكل ما يسوده، وهي تسأل مدرسها في المدرسة أن يهيئ لها منحة دراسية لا لشيء إلا لينقذها من مستقبل أسود يتربص بها إن هي بقيت في هذا الحي، التغيرات أيضاً تطال والديها، ولتبقى آليات سرد أجمل ما في فيلم الذي يمكنني اعتباره من أهم الأفلام التي شاهدتها إلى الآن، إلى جانب فيلم «الجائزة» للأرجنتينية باولا ماركوفيتش.

فيلم آخر عرض أول من أمس له أن يكون أيضاً معبراً كاملاً إلى هم ألماني وأوروبي بامتياز، ألا وهو المهاجرون والهجرة، الموضوع الذي لا يغيب عن دورات البرليناله، ففي الدورة الماضية كان فيلم «شهادة» للألماني الأفغاني الأصل برهان قرباني الذي تناول حياة المهاجرين والأقليات المسلمة في ألمانيا عبر حالات متعددة متصلة ومنفصلة، بينما تحمل هذه الدورة فيلماً بعنوان Almanya «ألمانيا» كما هي في اللغة التركية، والذي له أن يندرج ضمن أفلام النوايا الحسنة إن أردنا توصيفاً للمحتوى الذي يسعى إلى تقديمه، وبعبارة أخرى إنه فيلم يسعى لتجسير الهوة بين الألماني «الأصلي»، إن صح الوصف، والألماني المهاجر، ذي الأصول التركية تحديداً، كون الأتراك يشكلون الغالبية العظمى من الجاليات في ألمانيا، ولنعرف لماذا، فإن الفيلم سيجيب عن ذلك بشتى الوسائل، وسيقدم أولاً وأخيراً فيلماً ذا إيقاع سريع وكوميدي، له أن يكون صالحاً لتمرير كل ما يود الفيلم تمريره بخفة ورشاقة ويإيقاع يشبه إلى حد بعيد أفلاما مثل «اميلي بولان».

يبدأ الفيلم بصور وثائقية للهجرات التركية إلى ألمانية، وسرعان ما تحول تلك الصور إلى روائية مع لحظة وصول الجد الأول إلى ألمانيا، وليكون المهاجر رقم مليون وواحد الذي يصلها. لن أخوض في تفاصيل حكاية الفيلم، والذي سيقول في النهاية إن هؤلاء العمال جاؤوا إلى ألمانيا وقد كان الألمان في أمس الحاجة إليهم، هم من قاموا بإعمار ألمانيا ما بعد الحرب، وها هم أولادهم ومن ثم أحفادهم وهم يعيشون أيضاً مأزق الهوية.

كل ذلك سيقدم ضمن إطار الكوميديا والتنويع بالسرد، وليمضي الفيلم في زمنين الأول مع الجد في شبابه حين جاء ألمانيا وحياته في قريته التركية قبل مجيئه، وليستعاد ذلك من خلال الحكاية التي ترويها حفيدة الجد الكبرى إلى الحفيد الأصغر الذي يجابه مشكلة في المدرسة، كون المنطقة التي جاء منها جده غير موجودة على الخريطة في المدرسة، بينما يمضي الزمن الحاضر مع حصول الجد والجدة على الجنسية الألمانية، ورغبة الأول في العودة إلى قريته في تركيا، ولينقلب الفيلم إلى التراجيديا لكن البيضاء، وليكون الفيلم في النهاية ذا بنية تمكنه من تمرير كل مايود تمريره من إضاءات على عالم العائلة التركية المهاجرة، وعلى شيء من ملمح «توبيوغرافي» على اتصال بمخرجة الفيلم ياسمين سامديرلي (الألمانية من أصول تركية) والتي هي أيضاً في تجربته الإخراجية الأولى.

طباعة