افتتح دورته الــ 61 بجديد الأخوين كوين

«برلين الســينمائـي» الكاوبوي والأبعاد الألمانية الثلاثة

فيلم «تروغريت» مستعار عن فيلم حمل العنوان نفسه في عام .1969 أرشيفية

إن كان الرقم 60 في الدورة الماضية لمهرجان برلين السينمائي حمل الكثير من المعاني لهذا المهرجان، فإن الدورة 61 التي انطلقت فعالياتها أمس، ستمضي بالمهرجان نحو مساره الطبيعي، أو ستعيده إليه بعد أن كان الرقم 60 بمثابة جردة تاريخية لدورات المهرجان، ومناسبة للتركيز على الاشكاليات التي أحيط بها منذ تأسيسه على يد الحلفاء، ومن ثم انقسامه كما برلين ما قبل تسعينات القرن الماضي إلى يسار ويمين.

هناك أمر لطالما كان مدعاة للحيرة يتمثل في السر الذي يجعلنا بمرور عشرات السنوات أو العقود كما لو أنها الأرقام الوحيدة التي تستدعي الاحتفاء، طبعاً هذه حقيقة إنسانية صارخة وليست متعلقة فقط بـ«البرليناليه». حسناً، ندع كل ذلك جانباً ونمضي خلف افتتاح هذه الدورة التي كانت أميركية بامتياز لا بل «ويسترن» أو «كاوبواي» المسمى الشائع عربياً لهذا النمط من الأفلام، لكن بتوقيع الأخوين كوين وجديدهما المرتقب (True Grit) «ترو غريت» الذي سنعرض له بعد أن نمر على ما تحمله المسابقة الرسمية لهذا العام، والتي يمكن بداية التقاط ملمح جديد في اختيارات هذا العام، من خلال اختيار أفلام ثلاثية الأبعاد يأتي في مقدمها فيلم فيرنر هيرزوغ الوثائقي ثلاثي الأبعاد بعنوان «كهف الأحلام المنسية»، الذي يعزز من هوس هذا المخرج الألماني بالطبيعة وعلاقة الإنسان بها، دون أن ننسى أن هيرزوغ كان يرأس لجنة تحكيم العام الماضي، وإلى جانب هيرزوغ يأتي مخرج ألماني كبير هو فيم فاندرز بفيلم ثلاثي الأبعاد أيضاً بعنوان «بينا» وفيه يقدم صاحب «أجنحة الرغبة» فيلماً راقصاً هذه المرة.

النجم رالف فينس يشارك في فيلم من إخراجه  أرشيفة


 أصغر فرهادي الحاضر الغائب في المهرجان   أرشيفة


الالاف من الالمان يحجزون بطاقات حضور الفلم                   أرشيفة

 ممثل مخرج

سمة أخرى يمكن التقاطها في الأفلام المشاركة هي وجود عدد من أفلام مخرجوها معروفون كممثلين مثلما هو الحال مع الممثل الانجليزي رالف فينس الذي يشارك بفيلم من إخراجه بعنوان «كورليانوس» المأخوذ عن مسرحية لشكسبير، والذي يشارك فيه فينس أيضاً تمثيلاً إلى جانب مواطنه جيرارد باتلر وآخرين، كما تشارك الممثلة الأميركية فيكتوريا ماهني لكن كمخرجة في تجربتها الإخراجية الأولى، إذ يحمل فيلمها عنوان «صراخ إلى السماء».

ميراندا جولاي تحضر في المسابقة الرسمية من خلال فيلم «المستقبل» الذي نترقبه بعد فيلمها الذي عرفت به «أنا، أنت، وكل من نعرفهم» الذي يعتبر نقطة مضيئة في تاريخ السينما الأميركية المستقلة.

الهنغاري البارز بلاّ تار يقدم جديده «حصان تورينو» وأربع سنوات تفصلنا عن آخر أفلامه «الرجل من لندن» الذي عرض في مهرجان «كان» السينمائي، بينما تأتي المشاركة الإيرانية في المسابقة من خلال فيلم صاحب «عن إيلي» أصغر فرهادي الذي سينافس بجديده «انفصال نادر وسيمين»، أما السينما التركية فحاضرة بقوة في «برلين السينمائي» ويكفي ذكر اسمي فاتح آكين، وسميح قبلان أوغلو، الفائزين بالدب الذهبي للتدليل على ذلك، وليكون الفيلم التركي المشارك لهذا العام بتوقيع المخرج سيفي تومان وفيلمه «يأسنا الهائل».

نكتفي بما تقدم من عرض للأفلام في البرنامج الرسمي للدورة 61 من هذا المهرجان، التي وصلت إلى 22 فيلماً 16 منها تتنافس في المسابقة الرسمية، لنا أن نقدم لها مع مشاهدتها في الأيام المقبلة، طبعاً أفلام البرنامج الرسمي لن تنسينا أن هناك برامج كثيرة أخرى أبرزها «بانوراما» و«الفوروم» و«أجيال»، وغيرها مما يصل بعدد الأفلام المعروضة إلى 400 فيلم.

فيلم مستعاد

بالعودة إلى فيلم الافتتاح True Grit «ترو غريت»، فإن علينا بداية إيراد أن الفيلم مستعاد من فيلم بالعنوان نفسه انتاج عام ،1969 لكن المارشال روستر كوغبيرن لن يكون جون واين بل جيف بريدجز، والنهايات ستكون مفتوحة أمام ايثان وجويل ايثان ليهبانا بما يشبه ما كانت عليه أفلامهما حيت الميتات بالجملة، وثمة دائماً مصادفات ستكون على شيء من الكوميديا السوداء، كأن تنجو ماتي من كل الرصاص الذي يندلع حولها، ويتشكل مصيرها من خلال وقوعها في جوف كهف لا قرار له.

هنا علي أن أبدأ بحقيقة مفادها أن مشاهدة أي فيلم للأخوين كوين تدفع للبحث عن أسلوبهما، وسأجد نفسي مدفوعاً للقول إن الانحياز لاسلوبهما سيكون مهيمناً على ما نشاهد في جديدهما، والذي لن نعثر على الكثير منه، حيث مجاورة المرح والقسوة لن يكونا في درجة مساوية للتي كانت عليه في «فارغو»، ولا البحث عن العنف بالخفة التي تجعل القتل عزفاً منفرداً على المسدس في «لا بلاد للعجائز»، هنا يجرب الأخوان شيئا جديداً ربما مع الحفاظ على ملامح خفيفة من مزايا أفلامهما، ولها أن تبدأ في هذا الفيلم مع وقوع كوغبيرن على رجل مشنوق يتدلى من شجرة عالية جداً، ومن ثم سؤاله ماتي «هالي شتاينفيلد» تسلق الشجرة وقطع الحبل ثم إلقاؤه نظرة على الجثة ليقول «لا أعرف هذا الرجل»، ومجيء من يأخذ الجثة، أو خروج رجل عليهما قد وضع على رأسه وجه دب. يمكن إضافة مشهد سابق إلى المشهدين يتمثل في مشهد إعدام ثلاثة، ليترك لاثنين منهم أن يتكلما كل ما يريدان قوله، إلا الهندي الذي ما إن يتكلم حتى يوضع على رأسه كيس الإعدام وينفذ الحكم.

لكن وقبل المضي خلف البحث عن الأخوين كوين، فإن هذا الفيلم يمضي في خط عام يتمثل بمسعى ماتي التي لم تتجاوز الـ14 من عمرها للانتقام من قاتل والدها توم تشيني (جوش برولين)، وعليه فإن هذه الفتاة التي تتحلى بثقة عالية بالنفس سرعان ما تسعى إلى تكليف كوغبيرن بالانتقام لوالدها، بعد أن نتعرف إلى الأخير، سكيراً غير مبال، نقع عليه وهو خاضع للاستجواب، ولتطالعنا حقيقة أنه قام بقتل 23 شخصاً خلال فترة خدمته القانونية، وغير ذلك من مقدمات لشخصيته.

حرفية عالية

عندما يقبل كوغبيرن بالمهمة الموكلة إليه من ماتي فإنه يمضي من دونها وبرفقة الضابط لابوف (مات ديمون) الذي يكون ملاحقاً لتشيني لكون هذا الأخير قد اقدم أيضاً على قتل سناتور أميركي، وحين تتمكن ماتي من مرافقتهما فإن الفيلم سرعان ما سينتقل إلى مغامرة «ويسترن» لكن بطريقة خاصة لنا أن نتلمس ملامحها على سبيل المثال من خلال اكتشافنا هذا التشيني الذي يظهر لفترة وجيزة في الفيلم لا تتجاوز 10 دقائق، وليلقى مصيراً نتركه لكم حين مشاهدتكم الفيلم لدى عرضه في دبي، وفي مسار مواز، فإن النهاية ستكون كما هي نهايات كوين، حيث ستتشابك المصائر، وسيكون لكل عنصر أو شخصية ما تفعله في سياق الوصول إلى نهاية مشتركة لكل شخصية من الشخصيات، أن تسهم في جزء من وضع نهاية، فكوغبيرن لن ينجو لولا لابوف، وكذلك الأمر بالنسبة لماتي التي ستحتاج إليهما معاً لتنجو من الأفعى، مع حضور تفاني كوغبيرن في حمايته لها.

النهاية تلك ستمتد وصولاً إلى ما حل بماتي ووغبيرن، وليكون الفيلم في المحصلة وكتوصيف غير تقليدي، فيلماً للأخوين كوين ليس فيه الكثير من الأخوين كوين على مستوى معالجة السيناريو، إذا استثنينا النهاية، لكن مع التأكيد على حرفيتهما العالية والتناغم البصري وكل تلك السمات المعروفة عن أفلامهما.

طباعة