جناح تونس.. نزهة معرفية ممتعة تقدم «موزاييك» غنياً بالفنون العمرانية والإبداعات الفكرية

«هانيبعل» يقود زوّار «إكسبو» في رحلة افتراضية عبر جبال الألب

صورة

«موعد من غير ميعاد» مع القائد الأسطوري القرطاجي «هانيبعل»، وأفياله التي عبر بها جبال الألب في قارة أوروبا، قادماً من قرطاج، غازياً معاقل الإمبراطورية الرومانية، رتّبه جناح تونس في «إكسبو 2020 دبي» لزواره، في معايشة شبه حيّة تسمح لهم بحضور طقوس تنتمي لحضارة عمرها آلاف السنين.

قائد عسكري

«هاني بعل»، الذي يكتب اسمه بطرق مختلفة: «حَنبَعل»، أو «حنا بعل»، أو «هانيبال»، أو «هانيبعل» قائد عسكري من أصول فينيقية، يرجح أنه ولد في عام 247 قبل الميلاد، وينسب إليه اختراع العديد من التكتيكات الحربية، التي لاتزال، حسب العسكريين معتمدة حتى اليوم. كان حاكماً لمدينة قرطاج الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا، وهي المدينة التي تمثل مكانتها الحضارية، جزءاً كبيراً من الإرث والمخزون الثقافي والإنساني لتاريخ عروس شمال إفريقيا.. تونس.

واقع افتراضي

تنقل المعايشة، الزائر، عبر خاصية «الواقع الافتراضي»، إلى موقع تدريب الأفيال الحربية في زمن الفينيقيين، حين كان يؤتى في كل مرة بـ30 فيلاً لقضاء فترة داخل حظائر حجرية لتتعلم فنون المعارك، فيقف الزائر أمام القائد «هانيبعل» على ضفاف خليج تونس، وهو يشرح له من داخل الحظائر عن أهمية تلك الأفيال، ثم يرافقه إلى موانئ قرطاج، التي خشي «هانيبعل» أن تصبح مرتعاً للغزاة، فباغتهم بهجوم في عقر دارهم لمنعهم من الوصول إلى بلاده.

انتصارات حربية

تحكي المراجع التاريخية أن «هانيبعل» سار بجيش يضم فيلة حربية من أيبيريا، أي سواحل تونس، إلى شمال إيطاليا، فعبَر فيها جبال البرانس وجبال الألب خلال الحرب البونيقية الثانية. وتمكن خلال 15 عاماً من تحقيق ثلاثة انتصارات تاريخية معروفة في معارك: «تريبيا»، و«بحيرة تراسمانيا»، و«كاناي»، التي بدورها مكنته من احتلال معظم أراضي إيطاليا، ليقطع الطريق طوال تلك المدة على الإمبراطورية الرومانية، ومنعها من الوصول إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا.

 

تنوّع ثقافي

عاشت أراضي تونس الحالية تحت تأثير الفينيقيين القرطاجيين، والنومديين، والرومانيين، والبيزنطيين، والوندال، والأمويين، والفاطميين، والعثمانيين والفرنسيين، الأمر الذي يترجم التنوع الثقافي للبلاد الناطق بخلاصة ما جنته حضارياً على امتداد قرون عدة، نتيجة ذلك التأثير، وبسبب موقع تونس عند التقاطع بين حوض البحر الأبيض المتوسط، وأوروبا وإفريقيا، الذي لعب دوراً مهماً في إثراء هذا التنوع.

«موزاييك» ثقافي

تاريخ تونس الحديث يمتد في 3000 عام، عرفت فيها أزمنة حضارية متعددة، صنعت منها «موزاييك» ثقافياً غنياً بالفنون العمرانية والمنجزات والإبداعات الفكرية، تحتضنه قراها ومدنها الأثرية وسط أيقونة من الجمال الطبيعي لجبالها وهضابها وخلجانها وسواحلها، ما يجعل الإضاءات على هذا التاريخ أمراً ليس هيناً. ولذلك، يمكن اعتبار زيارة جناحها في «إكسبو 2020 دبي» نزهة معرفية ممتعة، بيد أنها مختصرة جداً، بالنظر الى ما تقدمه عن عراقة البلد الإفريقي الواقع في منتصف الطريق بين المحيط الأطلسي ودلتا النيل.

دار تونسية

بعد لقاء «هانيبعل»، ينتبه الزائر الى حيث كان موقع اللقاء الحقيقي، المؤدي إلى باحة مضيئة في دار تونسية تضم جلسة ازدانت جدرانها بلوحات من فن الفسيفساء، الذي يعود تاريخ وجوده في تونس إلى حقبة العصور الرومانية القديمة. وتظهر إحدى اللوحات المعروضة، العهود الأولى لمعالجة الأمراض باستخدام الأدوية في بلاد المغرب، كما تنقل صوراً حجرية لأزمنة حديثة نسبياً في تاريخ تونس، إذ ترجع للفترة التي وقعت فيها البلاد تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية.

لوحات الفسيفساء

يؤكد المؤرخون أن الحفريات الأثرية التي عثر عليها لآلاف من اللوحات الفسيفسائية العملاقة، تثبت أن سكان إفريقيا القدامى في كل من تونس والشرق الجزائري والغرب الليبي، كانوا بارعين في تصميم لوحات الفسيفساء، وأنهم اعتمدوها للتعبير عن الأيديولوجيا والتفكير وحياة الحكام، وطرق العيش وتفاصيل الحياة اليومية في تلك العصور الممتدة الى آلاف السنوات قبل الميلاد.

ويُعرّف الفسيفساء، الذي يطلق عليه «الحجر الناطق»، ويعود تاريخه الى القرن الأول قبل الميلاد، بأنه فن وحِرفة صناعة المكعبات الصغيرة واستعمالها في زخرفة وتزيين الفراغات الأرضية والجدارية عن طريق تثبيتها بالبلاط فوق الأسطح الناعمة، باستخدام مواد متنوعة، مثل الحجارة والمعادن والزجاج والأصداف، وذلك لتشكيل صور مختلفة للطبيعة والانسان والحيوان، أو للتعبير عن رموز حضارية أو أخلاقية معينة.

وبين قرطاج والفسيفساء علاقة أثرية مهمة، تم اكتشاف جزء منها، باكتشاف موقع «فسيفساء خيول قرطاج» في عام 1960، وهي فسيفساء ترجع للعصر الروماني القديم، يقدر عرضها بـ12 متراً وطولها تسعة أمتار.

وتم العثور عليها بالقرب من موقع أعمدة قرطاج الأثري، لكنها نقلت بعد ذلك قرب «تل الأوديون»، وحديقة الفيلات الرومانية الواقعة في قرطاج أيضاً. ووضعت بأكملها على هيئة قطع شطرنج، تتقاطع فيها لوحاتها التي شكلت رسومات لخيول، ومكونات جغرافية، وأشكال أخرى مختلفة.

الذكاء الاصطناعي والتقدم التقني

لم يغفل جناح تونس في «إكسبو 2020 دبي» عرض منجزاتها العلمية الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتقدم التكنولوجي والتقني، الذي تجلى بصناعة الروبوتات، وكذلك في البحوث العلمية والعلوم الطبية، التي تمكنت من التفوق في إنتاج أطراف اصطناعية مرادفة للأعضاء البشرية فائقة الفاعلية.

وتناولت العروض المرئية أهم المعالم الجغرافية والتاريخية في بلد لديه مقومات المنافسة في القطاع السياحي، نظراً إلى جمال مناخه وتنوّع تضاريس بيئته الطبيعية، عدا عن طيب مذاق أصناف مائدته المتوسطية.

• جناح تونس نظّم لزوّاره، معايشة شبه حيّة تسمح لهم بحضور طقوس تنتمي لحضارة عمرها آلاف السنين.

طباعة