الإمارات اليوم

5 دقائق

الخيط الرفيع

:

يسعى الإنسان دائماً للأفضل ويحاول تحقيق الكثير في وقت قليل والاستمتاع بما أتيح له من وسائل وإمكانات، ولكن يظل دائماً في حالة من الشك وأحياناً انعدام الرؤية والتردّد، وتختلف درجات التردّد والشك من شخص لآخر. والسؤال الدائم الذي يراود هؤلاء الذين يميلون إلى الدقة والالتزام هو هل أنا على الطريق الصحيح؟ أحياناً تكون الإجابة صعبة، لأن الفاصل بين الصحيح والخطأ هو خيط رفيع.

• لم يعد العالم كما كان ولن يعود، بل بالعكس سيزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ما لم يرجع الإنسان لإنسانيته.

خيط رفيع يفصل بين الالتزام والتزمت، خيط رفيع يفصل بين التدين والتطرف، وخيط رفيع يفصل بين الكرم والإسراف، لذلك يقع الإنسان في الحيرة والشك، هذا إذا كان ممن يحاسبون أنفسهم ويميلون للتحسين ومراعاة سلوكياتهم وانعكاساتها على من حولهم، لكن بالطبع ليس كل الناس كذلك، ومن أكبر التحديات معرفة متى يكف الإنسان عن المحاولة في شيء ما، الكثير من أدبيات الإدارة وتنمية الذات تحض على المثابرة والاستمرار في المحاولة، ولكن ماذا لو لم يكن مقدراً للمحاولة أن تنجح؟ ماذا إذا كان القرار الصحيح هو أن يكف الإنسان عن المحاولة ويتجه اتجاهاً آخر؟ الشخص الوحيد القادر على الإجابة هو صاحب الموقف، ومن هنا تأتي الصعوبة لأن الإنسان قد لا يرى إلا تحت قدميه، وسيظل يرى العالم بالمنظور نفسه الذي تعود أن يراه منه، لذلك تظهر دائماً الحاجة إلى الصديق المخلص، الذي يكون بمثابة المنظار المساعد الذي يسهم في رؤية وبصيرة أكبر، ولأن هذا الصديق في زماننا هذا قد ذهب مع الريح، فيبقى الإنسان في حيرته التي لا خروج منها إلا بالتوكل على الله عز وجل، والاستغناء به سبحانه عمن سواه.

لقد تحوّل العالم بمعنى الكلمة، لم يعد العالم كما كان ولن يعود، بل بالعكس سيزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ما لم يرجع الإنسان لإنسانيته، وفي ظل طغيان المادة على الأخلاق والضمير والقيم وأهمها قيمة الأسرة، فلم يعد هناك ذلك الاهتمام من كل الأطراف، فالأهل مشغولون بمستقبل أولادهم المادي، وفي ظل الانشغال بالمستقبل ينسون الحاضر فلا يعيشونه، وعندما يأتي المستقبل يكتشفون أنهم فقدوا أبناءهم وأن العلاقة أصبحت ثانوية، والأبناء مشغولون باهتماماتهم وأصبحوا منغلقين على أنفسهم ولا يشغلهم سوى أمورهم اليومية. أعتقد أن الرجوع إلى الذات وإلى القيم الإنسانية والاهتمام بالجانب الروحي بقدر الاهتمام بالجانب المادي هو السبيل للخروج مما يعانية معظم البشر حالياً، الرجوع إلى الخالق عز وجل واحتضان القيم الإنسانية التي كانت سائدة قبل أن تسيطر المادة. هناك دائماً أمل، ولكن يفصله عن اليأس خيط رفيع.

Garad@alaagarad.com

@Alaa_Garad

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

مواد ذات علاقة