الإمارات اليوم

5 دقائق

مشروع الترجمة الإلكترونية

الأمة العربية كان وصفها الأساس قبل الإسلام «أمّة أُمِّيَّة» أي لا تقرأ ولا تكتب، وكان وصف الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف في حقه خاصة صفة كمال؛ لأنه يتلقى الوحي عن الله ويبلغه عباده، فما عليه إلا البلاغ، ولو كان يقرأ ويكتب لكانت تهمة تأليف الوحي سهلة، وستلقى رواجاً وقبولاً عند من في قلوبهم زيغ ممن لم يرد الله هدايتهم، أما وصف غيره بذلك فإنه وصف نقص، ولذلك كان من يقرأ ويكتب يسمى «الكامل» لتميزه عن أقرانه.

فلما جاء الإسلام بمشروعه الحضاري كان أبرز معالمه القراءة، حتى كان أول كلمة من وحي السماء هي كلمة «اقرأ» فأدرك الناس أن القراءة هي أهم مقوماتهم الحضارية، فالتفتوا إليها التفاتاً عجيباً، فما هي إلا بُرهة قصيرة حتى أضحت الأمة الأمِّية أمةَ قراءة ونبوغ، فقرأت الكتاب العزيز، واستلهمت دلالاته وإشاراته التنويرية، فغدت أمة الريادة المعرفية، والابتكارات العظيمة التي نقلت البشرية أطواراً معرفية هائلة، في الفيزياء والرياضيات والجبر والبصريات والطب والفلك والكيمياء.. وغيرها، فضلاً عن العلوم الشرعية والأدبية والاجتماع، فاستقت الأمم من مناهلهم العذبة حتى ارتووا وضربوا منها بعطَن، ثم طوروها بتقنيات حديثة فكانت الفائدة منها أكثر فأكثر.

وقد حصل لهذه الأمة ركود - غير محسودين عليه - حتى كادت النشأة الأولى تعود لهذه الأمة، مقارنة بما عليها الأمم، وذلك لعوامل كثيرة لا تخفى على الكل.

ولقد نهض شيخ المعرفة ووثَّاب الفضائل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله وزاده من فيض فضله، وسيْب عطائه ما يحقق رغبته ونهمته في أمته وشعبه، فأنشأ هذه المبادرات المعرفية الواحدة تلو الأخرى، التي كان آخرها مشروع محمد بن راشد للتعليم الإلكتروني العربي، الذي يضم «تحدي الترجمة» كأكبر تحدٍّ من نوعه في العالم العربي، الذي يسعى إلى ترجمة 5000 فيديو بواقع أكثر من 11 مليون كلمة خلال عام واحد في مختلف مواد العلوم والرياضيات، بحيث يتم تعريب هذا المحتوى وإعادة إنتاجه وفق أرقى المعايير المعتمدة في المناهج الدراسية الدولية ويكون متوافراً مجاناً لأكثر من 50 مليون طالب عربي.

فإن هذا المشروع الناهض سيكون له أثر فعال في جيل اليوم، الذي يتطلع إلى من ينقذه من أهوال الحروب والفتن والفساد والمماحكات السياسية، الجيل الذي يتمنى من يوفر له كتاباً يقرؤه، ومدرسة تحويه، ورؤىً تعينه وتهديه، لينتقل من هذا الإحباط الذي أصابه، والتخلف الذي يعيشه ولا يليق به، إلى الابتكار المعرفي، والتطور التقني والثقافة العالية.

إن الاهتمام بتنمية الأجيال معرفياً هو أوجب واجبات الدول التي تعرف مصطلح الواجب والمسؤولية، فلمّا لم يقوموا بها وكّل الله بها قوماً آخرين؛ اصطفاهم لنفع هذه الشعوب المحبطة، على رأسهم هذا الرجل الفذ الذي يعتبر أمة وحده، وكما قال أبونواس:

وليس على الله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحدِ

ولا أدل على ذلك من قوله المعبر عن همه وهمته: «طرحنا تحدياً أمام جميع العرب، وهو المساهمة معنا في ترجمة 11 مليون كلمة وإنتاج 5000 فيديو تعليمي خلال عام واحد.. وندعو جميع المهتمين بالتعليم في الوطن العربي إلى مشاركتنا هذا المشروع الحضاري الدائم».

نعم يا صاحب السمو أنت تدعو ولعل الله أن يبلغ كلماتك من به صممُ، فيستشعر واجبه، وقد عمَّمت الدعوة ليسمعها السياسي والعالم والغني والفنِّي.. فكلهم مدعوون ليسهموا معك ليكونوا شركاءك في الأجر والمحمدة، فأنت لا تعرف الأنانية والأثَرة، بل ديدنُك ودنْنتُك هو الإيثار وحب الخير للغير، فلله درك من قائد فذ، وإنساني نبيل، ومسلم غيور، وعربي أصيل.

والأمل في الله كبير أن تكون هذه المشاريع المعرفية نقلة نوعية لأمة القراءة، وما ذلك على الله بعزيز، لا سيما وأنت «تؤمن بالقدرات الاستثنائية للطلاب العرب، متى ما توفرت لهم الموارد والإمكانيات وأدوات التعليم الحديث، والأمثلة بالمئات». فظنكم مصيب، وسعيكم إن شاء الله تعالى لا يخيب.

والله من وراء القصد وهو المستعان وعليه التكلان.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

مواد ذات علاقة