الإمارات اليوم

5 دقائق

كبار السن وحقوقهم المجتمعية

سيظل الحديث عن حقوق كبار السن حديثاً ذا شجون، فالكل يحب أن يُسهم في خدمتهم وتقديم العون لهم، والكل يحبهم ويقدر لهم منزلتهم الاجتماعية لما أسهموا من بناء لبِنات المجتمعات الأولى، وما عانوه في حياتهم التي كانت بسيطة وكادحة، وقد كانت الدولة سباقة بتقديم أرقى الخدمات لهم في مؤسسات الإيواء وغيرها.

وقد عقدت، أول من أمس، ندوة فائقة الترتيب بالمجلس العامر الفاخر للدكتور عارف الشيخ، نظمتها هيئة تنمية المجتمع، وحضرها لفيف من المهتمين والفاعلين في هذا المجال، وقد تكلم الكثير وأحسنوا في العرض، وقدموا المقترحات التي تزيد من العطاء وتحسِّن من الراحة، فلهم جميعاً جزيل الشكر.

ولمَّا أتيحت لي الفرصة غردتُ خارج السرب قليلاً، ثم تبعني مغردون آخرون فانعدل جزء من السرب.

إن الخدمات التي تقدم لكبارنا وبركة المجتمع، هي جليلة، ولكن هل نريد من هذه المراكز أن تكون فنادق خمس أو سبع نجوم لنغري بها شيّابنا ونشجع بها الأبناء والبنات على ترك واجباتهم نحو كبارهم، حيث يجدون تكيات طيبة، يتخلون بسببها عن الواجب الشرعي والاجتماعي والقانوني.

إننا إن وفَّرنا ذلك فإننا نكون قد فصمنا هؤلاء الأكابر بركات المجتمع عن الأبناء والأحفاد والأسباط، وجعلناهم يعيشون في غربة، وحرمنا الأجيال من أدبهم ومعارفهم وخبراتهم وحكاياتهم الجميلة التي تجعل الأجيال تعرف الماضي العريق لرجال البلد الأخيار، ولعل هؤلاء الأكابر البركة لو علموا أن أبناءهم سيخرجونهم من ديارهم، لربما قال أحدهم «أوَمُخرِجِي هم؟!» ولربما تمنوا عدم إنجابهم لو كان لهم خِيَرة

ولو قدمنا هذه الاستراحات والمنتجعات والخدمات الراقية لكنا قد حملنا الذراري على عقوق الآباء بوهم الإحسان إليهم؛ لأن العقوق شرعاً هو كل إساءة يقدمها الأبناء أو الأحفاد أو الأسباط لآبائهم وأجدادهم وأمهاتهم وجداتهم، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى، كما صح في الحديث، وليس هناك عقوق أكبر من نفيهم إلى الاستراحات ونحوها.

إن الذي يتعين في نظري هو أن ندعم بقاء هؤلاء الكبار البركة في بيوتهم وبين أهليهم، ليعيشوا في بِيئة ألفوها، فلا يحسون بغربة ولا فرقة، وأن نغرس ثقافة البِر بهؤلاء الكبار، بِراً غير متناهٍ؛ خدمة وعطاء ومؤانسة وإحساناً فوق إحسان، كما أمرنا الله، ورسوله، صلى الله عليه وسلم.

أن نجعل لهذه الثقافة مكاناً في مناهج التربية الإسلامية والأخلاقية في المراحل المتوسطة والثانوية والجامعية، وفي مجالات الوعظ والإرشاد الأسبوعي والأنشطة الثقافية.

أن نفيد جيل اليوم أنه سيكون يوماً ما متبوعاً بجيل وأجيال أخرى، وسيكون في ضعف الشيخوخة كما هم كبارنا اليوم، وأنه إن لم يحسن إليهم فإنه لن يجد من يحسن إليه حينما يبلغ من العمر أرْذله، ومن الضعف منتهاه.

أن يفهم الأبناء والبنات أن العناية بهؤلاء الكبار هي من أجلِّ الطاعات والقربات، فهي جهاد في سبيل الله، وهي سعي إلى جناته، وهي ذخر المرء لنفسه شيخوخةً وقورة محبوبة محبّة، كما ورد في الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أكرم شابٌ شيخاً لسِنِّه إلا قيَّض الله له من يكرمه عند سِنِّه».

أن نجعل المجتمع كله محسناً وباراً ورحيماً وموقراً لهؤلاء الكبار بركة المجتمع.

ولنا أسوة بشيوخنا الأكارم الذين يقدرون هؤلاء الكبار حق قدرهم، كما نراهم في لقاءاتهم، وفي تحسس أخبارهم، والنزول إليهم ومؤانستهم، فإن ذلك كما أنه قربة لله تعالى، وكرم أخلاق، فإنه دروس عملية للأجيال لتقتدي بهم.

هذه الأمور في نظري هي أهم ما نقدمه لكبارنا المباركين، مع جعل خدمة الاستراحات والإيواءات للأحوال النادرة التي لا عائل لها بتاتاً، لا أن نجعلها أصلاً في خدمتهم.

إن البلد قادم، إن شاء الله تعالى، مع هذا التطور الصحي والمعيشي إلى ارتفاع نسبة الشيخوخة بمعدلات عالية، كما تفيد الدراسات المتخصصة؛ فإذا لم نحسّن هذا الأسلوب النافع سيتسع الخرق على الراقع، وسنفقد خيراً كثيراً بتضييع هؤلاء الأكابر البركة.

وبالله التوفيق.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

مواد ذات علاقة