الإمارات اليوم

5 دقائق

اتباع الهوى

ما أكرم الإنسان حينما يكون مالكاً نفسه، متبّعاً الهدي القويم، والسلف الماضين! وما أهونه حينما يتبع هواه فيضلّه عن سواء السبيل! فالإنسان بجنسه كريم على الله تعالى، كما أخبر سبحانه بقوله {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}، لأنه المكلف الوحيد طريق الاختيار، بخلاف الكون كله، فإنه مسخّر بأمره سبحانه وتعالى، فلذلك جعل له من المكانة أن أسجد له الملائكة الأكرمين، الذين {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، وأورثه جنة النعيم خالداً فيها أبداً، له فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويَحِلُّ عليه رضوانه الذي هو أجلُّ النعيم مع النظر إلى وجهه الكريم، إن هو نجح في الامتحان، واتبع الملك الديان سبحانه.

ولقد جرى بحثٌ عقائدي مستفيض عن التفاضل بين الإنسان والملك، وانتهى إلى أن الأنبياء أفضل من خواص الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عموم الناس، وعموم الملائكة أفضل من عموم بني آدم، وخواص الناس أفضل من عموم الملائكة، كل ذلك لأن الإنسان شُرِّف بالتكليف فامتثل، مع مغالبة النفس الأمارة بالسوء، والهوى المضل عن سبيل الله، والشيطان المغوي، فإذا اجتاز هذه العوائق والقواطع، فإنه يكون قد نجح في الاختبار والابتلاء، بخلاف الملائكة المسخرين الخالين من كل عائق أو قاطع.

وإذا لم ينجح، فإنه يكون قد خاب وخسر خسراناً مبيناً، كما قال الله تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، ولم تعد كرامة أصله نافعة له؛ لأنه يؤول إلى بوار السعير وبئس المصير، عياذاً بالله من ذلك، وسبب ذلك هو اتباعه هواه فهلك في المشتهيات والمغريات، وقد كان عليه أن ينظر إلى النعيم الدائم، والسعادة التامة فيسعى إليهما، ولا يغرّه بالله الغرور، ولا تمُنِّيه نفسه الأماني من غير أن يأخذ بأسباب السعادة، وقد عُلم من الشرع والعقل أن أسباب السعادة الدائمة ثلاثة:

الأول: اتباع الشرع المطهر الذي أنزله الله تعالى رحمة لعباده، وبيّن فيه الخير من الشر، والضر من النفع، ويسر الأعمال، وأثاب عليها الجزيل؛ في العاجل بالتوفيق، والآجل بجنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

الثاني: بعدم اتباع الهوى المضل عن سواء السبيل، الذي يزيّن الباطل، ويعمِّي الحق، فلا يكون أحد أضل منه، كما قال سبحانه {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ}، وهو استفهام معناه النفي، أي لا أحد أضل منه، لأنه كما قيل: إن الهوى ما تولَّى يُصمِ أو يَصم، أي يجعله كأن في أذنيه وقراً فلا يسمع الحق، ويكون معيباً عند الخلق لاتباع هواه، وضلاله عن الرشاد.

وبمحاربة النفس الأمارة بالسوء ومخالفتها فيما تريده من العاجلة، ولزوم النفس اللوامة، حتى تتروض وتكون مطمئنة بوعد الله، وراضية عن الله ومتمسكة بشرع الله، وباعتبار الشيطان عدواً لدوداً، فيعرف مداخله ويحذرها.

وإنما حذر الله عباده من اتباع الهوى أو النفس الأمارة أو الشيطان الرجيم، وترك له حرية الكسب؛ لأنه جعل للإنسان عقلاً يميز به الخير من الشر، والضر من النفع، فإذا لم ينتفع بتحذير الله تعالى وسلك سبيل المهلكات؛ فإنه لا يلومنّ إلا نفسه، إذْ يُمتعه الله قليلاً، ويملي له كثيراً، ثم يصير إليه سبحانه، فبماذا يقابله وقد عصى وطغى واتبع النفس والهوى؟! فعندئذ يجد الناقد بصيراً، والحساب عسيراً، فلعله لا ينجو منه، وقد كان في مأمن من ذلك لو أنه خالف هواه، وهدي إلى صراط مستقيم.

الثالث: عدم الاغترار بالدنيا وزينتها، والنظر إليها بحقيقتها التي أخبر الله عنها {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، أي المغتر، فلا ينخدع بزخرفها وزينتها من غير أن يكون قد عمل فيها لما ينفعه في آخرته، من عمل صالح يرضي ربه، ويثيبه عليه.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

مواد ذات علاقة