الإمارات اليوم

لحظة

ماذا تعرف عن الآخرين؟

:

قبل ثلاث سنوات تقريباً ظهر مفهوم جديد اسمه «البيانات الضخمة» ويعني مجموعة البيانات الهائلة التي تتجمع لدى الشركات العملاقة كـ«فيس بوك» و«أمازون» و«غوغل»؛ وغيرها. يقول رئيس غوغل، إيريك شميت: «إن ما أنتجته البشرية من بيانات منذ بدء الحضارات وحتى العام ٢٠١٣ تُنتجه البشرية الآن في كل 10 دقائق». ولذلك ظهر هذا المفهوم الذي أفرز تقنيات حديثة ليست لتخزين البيانات وتنسيقها فقط، بل ولتوظيفها بطريقة فذة وذكية، فاليوم يستطيع «فيس بوك» أن يعرف عنا أشياء لم نتصور أن أحداً سيستطيع معرفتها دون أن نخبره بها، وفي السابق كان يمكن للنظام من خلال صداقاتك، ورسائلك الخاصة، والصفحات التي تشترك بها أن يقدم تحليلاً لا بأس به عن شخصيتك، أما اليوم فيكفي أن تُبطئ سرعة التصفح عندما تشدك صورة أو خبر ما – دون أن تضغط على رابط الصورة أو الخبر – حتى يعرف النظام أنك مهتم بهذا النوع من المعلومات، وما إن تقضي أياماً عدة في تصفح «فيس بوك» أو «تويتر» أو «إنستغرام» حتى يعرف النظام ما هي عاداتك اليومية ورغباتك وقناعاتك، إلى حد بعيد.

 يقول أحد المتخصصين في تحليل البيانات الضخمة، بعد أن أجرى دراسة موسعة على أحد مواقع التعارف على الإنترنت، إن أنماط البيانات الشخصية التي اطلع عليها كانت صادمة ومُخيفة، إذ يستطيع أحدنا أن يرى الناس على حقيقتهم تماماً خلف شاشات الكمبيوتر والهاتف. ولا يعني بكلامه هذا العلاقات السرية والمشبوهة على الإنترنت، فذلك قد أصبح من الماضي وسهل الكشف. ما يقصده هو أن التقنيات الحديثة أصبحت قادرة على تحليل شخصيات الناس وفهم أنماط تفكيرهم والقيم التي يؤمنون بها بدقة غير مسبوقة. ويقول إنه في المجتمعات الحديثة، التي يُعتقد أنها ليست عنصرية، تتغير الحال خلف شاشات الكمبيوتر، ويصبح الناس أنفسهم الذين يدعون احترام الآخر وحقوق الإنسان، يحملون نزعة عنصرية ودونية لكل من يختلف عنهم، ففي موقع التعارف ذاك كان السود يحصلون على ربع الاهتمام الذي يحصل عليه البيض، وفي المقابل، فإن السود لا يتصفحون الملفات الشخصية للبيض ونادراً ما يتواجدون في المجموعات ذاتها، والآسيويون لا يُراسلون غير الآسيويين مثلهم، رغم أنهم جميعاً مواطنون أميركيون! ليس ذلك فقط، بل حتى نمط الناس في الشراء يعتمد كثيراً على شكل ولون الشخص الذي يسوّق للمنتج المعروض، ولذلك توقفت كثير من الشركات عن استخدام الناس في إعلاناتها التجارية.

 يعتقد البعض أن الحياة زائفة، حتى الصادقون مزيفون لأنهم لا يستطيعون أن يصدقوا طوال الوقت. وهناك من يؤمن بأن لبس الأقنعة عمل طبيعي، كالكذب والنفاق، لأن الإنسان الذي لا يفعل ذلك لن يستطيع التقدم في حياته! أياً تكن قناعتك فتأكد أنك لا تعرف شيئاً عن حقيقة الآخرين، وربما من الأفضل لك ألا تعرف.

 yasser.hareb@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

مواد ذات علاقة