الإمارات اليوم

5 دقائق

جناية «تويتر وفيس بوك وواتس أب» على الكتاب

تردّدتُ كثيراً في كتابة هذا المقال بهذا العنوان، خشية ردّ الفعل من عشاق هذه الوسائل، فلما رأيت قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله: «من يستخدم الهاتف فقط سيخسر لأن القراءة غذاء الروح»، علمت أن قناعتي مسبوقة بقناعة الآخرين، فلم أتردّد عن توجيه التهمة الجنائية على هذه الوسائل التي كاد الكتاب النافع أن يكون صريعها، لولا تيقّظ شيوخ المعرفة والثقافة، كما هم شيوخ السياسة والحكم، حفظهم الله ذخراً للعلم والوطن والأمة.

• علينا ونحن في عام القراءة أن نبرهن أننا قرّاء حقيقيون نعطي الكتاب حقه من القراءة.

لا جرم أن الكتاب، اليوم، لم يعد يُقرأ - فضلاً عن أن يُقتنى أو يُحتفى به - استغناء بقصاصات الروايات والأخبار التي تتطاير على شاشات الهواتف وذاكراتها، في كل دقيقة كتطاير الفراش على الأنوار في سواد الليل، ولا يفتر من أرسل ولا من أُرسلت إليه عن قراءتها أو تحويلها إلى غيره، وقد يكون أكثرها زَيفاً، فيخرج الجميع بنتيجة سالبة من الثقافة المطلوبة، اللهم إلا المعلومات العامة.

إننا أمة القراءة لدينا مشروعٌ كبيرٌ في القراءة في الحياة وبعد الممات، فمشروع الحياة لدينا كتاب ربنا سبحانه لابد أن يقرأه كل مسلم ومسلمة، وإلا عُدّ مفرطاً تفريطاً كبيراً في دينه وهويته، وتقام عليه الحجة أنه اتخذه مهجوراً، وهو كتاب منشور من خالقه، فلم يدرِ ما وعده ووعيده، ولا أمره ونهيه، ولا خبره وقصصه، ولا استكشف مكنوناته واستنبط تأويله، مع حث الله كثيراً لتدبّره، فقد أعطى الله سبحانه الإنسان العقل ليقرأ ويعقل، ويرقى به في الدنيا والآخرة، لاسيما أن الله لم يفرط فيه من شيء.

وبعد الممات يدعى {كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ـ أي نبيهم أو كتابهم - فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71]، ويقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه فيفوز، ومنهم بشماله أو وراء ظهره، فيهلك.

نعم، هذا هو وضع القراءة عندنا، معشر المسلمين، فيوم أن كنا نقرأ وُجد فينا المبتكرون والمبدعون، فأثْروا الحياة والأحياء، ويوم أن خيَّمت الجهالة تأخرنا عن ركب الحضارة كثيراً، وها نحن نستعيد تالد مجدنا، فلابد أن نأتي إليه من معاقد العز، وهي العلم النافع والابتكار الصالح؛ لأن «كل عز لم يؤطَّد بعلم فمآله إلى ذُل»، كما يروى عن الشافعي، رحمه الله تعالى، ومفتاح العلوم هو القراءة.

إن الكتاب يشكو بثَّه وحزنه إلى الله، حيث لم يجد من يقول له: إنه خير جليس، ولا أحب حبيب، ولا من يشتريه بالرخيص أو النفيس، بل لا يجد من يُقبل عليه وهو يُهدى ولا يباع، كما تفعل دائرتنا الموقرة، التي لديها مخزون ضخم من الكتب النافعة، فلديها عشرون مجلد فتاوى شرعية، وعشرات الكتب النافعة في العلوم المختلفة، وهي متاحة لمحبي المعرفة.

علينا ونحن في عام القراءة أن نبرهن أننا قراء حقيقيون، نعطي الكتاب حقه من القراءة، فهو أحق بها من «تويتر» وإخوانه؛ فهو السابق في الفضل، والسابق بالوجود، والنافع في الحال والمآل، وهو الذي يستقي منه بعض المغردين، فلنعد إليه لأحقيته ونفعه، وإذا أعطيناه حقه هذا العام، فسيكون العمر كله عمرَ القراءة، كما هو شأن الشعوب الراقية المحبة للمعرفة، وبالله التوفيق.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

مواد ذات علاقة