أكبر صفقة في تاريخ التقنية

استحواذ «إنفيديا» على «إيه آر إم» يمنح أميركا أداة ضغط على الصين

ظهور كيان يمتلك تصميم شرائح الرسوميات والمعالجات المركزية معاً يثير قلق الشركات العالمية. ■من المصدر

بالإعلان عن الاتفاق الأولي على شراء «شركة إنفيديا الأميركية» لصناعة شرائح الرسوميات، لشركة «إيه آر إم» المتخصصة في تصميم شرائح المعالجات المركزية، ومقرها بريطانيا، تكون صناعة الشرائح الإلكترونية ومعالجات أجهزة الكمبيوتر على وشك أن تشهد انقلاباً عالمياً عميقاً، على المستويين التقني والتجاري، ذلك أن الصفقة التي وصفت بأنها الأكبر على الإطلاق في تاريخ التقنية، ستعيد رسم خريطة القوى في هذه الصناعة، وتفتح المجال لميلاد كيان جديد، يمثل مصدر قلق عميق لشركات: «أبل»، و«سامسونغ»، و«إنتل»، و«إيه إم دي»، فضلاً عن شركات التقنية الصينية المعتمدة على الشرائح، وفي نهاية المطاف يمنح الولايات المتحدة أداة مؤثرة وقوية في حربها التجارية ضد الصين.

صفقة الاستحواذ

كانت أنباء هذه الصفقة أعلنت في وقت متأخر بداية الأسبوع الماضي، عبر بيان صدر عن «إنفيديا»، و«مجموعة سوفت بانك» المالكة لشركة «إيه آر إم»، أكد توصلهما إلى اتفاق تستحوذ بموجبه الشركة الأميركية على «إيه آر إم» مقابل 40 مليار دولار من الأسهم والنقد (21.5 مليار منها في صورة أسهم في «إنفيديا»، و12 مليار دولار نقداً، وخمسة مليارات دولار من مدفوعات «سوفت بانك»، و1.5 مليار دولار مقابل حقوق الملكية لموظفي «إيه آر إم»). وعلى الفور، توالت التحليلات والتقارير الخاصة بكشف أبعاد الصفقة وتأثيراتها على صناعة المعالجات وأشباه الموصلات عالمياً.

وعبر المتابعة التي قامت بها «الإمارات اليوم»، كان القاسم المشترك في تلك التحليلات أنها تمثل انقلاباً عالمياً عميقاً، سيشمل صناعة المعالجات وأشباه الموصلات بأكملها خلال العقد المقبل.

طرفا الصفقة

تمثل الطبيعة الخاصة لطرفي الصفقة أول عامل يمنحها هذه الأهمية الكبرى، فـ«إنفيديا» هي الشركة الأهم والأكثر كفاءة في تصميم شرائح معالجة الرسوميات، والشرائح المصممة للأفكار الكبيرة للمستقبل، مثل الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والأتمتة الروبوتية، والحوسبة المتنقلة، وإنترنت أشياء. أما «إيه آر إم» فهي أفضل وأكفأ شركة في مجال تصميم شرائح المعالجات المركزية المخصصة للأجهزة المحمولة وأجهزة الكمبيوتر، ومراكز بيانات الحوسبة السحابية، لكنها لا تنتج المعالجات بنفسها، بل ترخص هذه التصميمات للآخرين لتخصيصها وتهيئتها أولاً، قبل أن ينتجها المصنِّعون في صورة شرائح من السيليكون. وتوجد تصميمات «إيه آر إم» في «قلب» أو «دماغ» كل شيء من الأجهزة اللوحية إلى أجهزة «إنترنت الأشياء»، مثل أجهزة الاستشعار، وأجهزة التحكم.

الكيان الجديد

اندماج الطرفين معاً يعني ظهور كيان جديد، يمتلك العديد من جوانب القوة المتفردة، إذ سيكون هذا الكيان مالكاً لكل من تصميمات شرائح الرسوميات، وشرائح المعالجات المركزية العامة معاً، وهو انقلاب عميق وغير مسبوق في صناعة أشباه الموصلات، لكونه يغطي الفجوة التي طالما عانت منها «إنفيديا» طوال السنوات الماضية، حيث كانت تقدم تشكيلتها المميزة من شرائح الرسوميات، لكنها تفتقر إلى شريحة معالج للأغراض العامة، تعمل في الموصل الرئيس في جميع أجهزة الحوسبة، وفي كل مرة تبيع فيها شريحة معالج رسومات، يحتاج المتعاملون إلى استخدام وحدة المعالجة المركزية لشركة أخرى، وفي مطلع العام الجاري، قدمت الشركة أحدث وأقوى شريحة للذكاء الاصطناعي، لكنها اضطرت إلى استخدام شريحة الخادم التي صنعتها شركة «إيه إم دي» المنافسة، لأنها لم تكن لديها شريحة معالج عامة.

أشباه الموصلات

وسيمثل وجود كيان بهذه الصورة والقدرات، مصدر قلق عميق للعديد من العمالقة في صناعة تقنية المعلومات، لاسيما الذين يعتمدون بصورة عميقة على تراخيص باستخدام معالجات «إيه آر إم»، وفي مقدمتهم «أبل»، و«سامسونغ»، و«كوالكوم»، كما سيمثل هذا الكيان منافسة صاعقة بالنسبة لمنتجي المعالجات العامة الآخرين.

وبحسب ما قاله المحلل الرئيس في مؤسسة «غولد استوشيتس»، جاك جولد، فإن الصفقة ستؤثر على «أبل»، المرخص لها باستخدام «إيه آر إم»، ما يثير شكوكاً حول ما إذا كانت «أبل» ستقبل بالتعاون مع «إنفيديا» أم تستمر في التعاون مع «إنتل»، وهل ستستمر رسوم الترخيص كما هي أم ستغيرها «إنفيديا».

حرب تجارية

ومن الجوانب الأخرى المهمة في هذه الصفقة، أنها تدخل مباشرة على الخط في الحرب التجارية القائمة بين الولايات المتحدة والصين، لأن امتلاك «إنفيديا» الأميركية لـ«إيه آر إم» يعني أن كل مصنعي الشرائح وأشباه الموصلات الصينيين المعتمدين على تقنيات وتصميمات «إيه أر إم»، سيكونون تحت رحمة شركة باتت تحمل الراية الأميركية، وبحسب جاك جولد، فإن من شأن هذا أن يخرج جميع صانعي الرقائق الصينيين عن العمل.

عرقلة الصفقة

لابد أن يحظى إتمام الصفقة من عدمه بموافقات من الجهات التنظيمية في دول عدة، مثل الاتحاد الأوروبي، واليابان، والولايات المتحدة، فضلاً عن الصين، لأن جزءاً مهماً من شركة «إيه آر إم» يقع حالياً في الصين، عبر الفرع الذي يحمل اسم «إيه آر إم تشاينا»، ومن هنا تتداخل المصالح وتتشابك في هذه الصفقة، لتتجاوز الأمور التقنية إلى قلب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إذ يتوقع أن تستخدم الصين نفوذها على «إيه آر إم تشاينا» لعرقلة الصفقة.

طباعة