المرصد

زمن الصحافة الطبية

ولدت الصحافة الطبية عالمياً وعربياً مشروع «الصحافة الطبية»، وليست صدفة أن نعرف اسم مجلة طبية، مثل: «يعسوب» عام 1865، وبعدها بقرن ونيف نعرف «طبيبك الخاص» عام 1969.

وعلى الرغم من أن هذه المطبوعات البسيطة - الابتدائية شيء، وتحديات اليوم شيء آخر، فلم تكن المجلات الطبية بشهادة خبراء ومتابعين بأكثر من إطلالات عامة، تحيط بعضها أحياناً فكرة الجاذبية، وأحايين أخرى يشوبها عدم التوثيق، على عكس ما انتهت إليه الأمور راهناً. فالصفحة الطبية في صحافة اليوم، خصوصاً على الإنترنت، أصبحت «عيادة موازية» يرتادها المريض، وهي الخاطر الأول الذي يمر بذهن الصحيح بمجرد وخزة هنا أو ألم هناك، حيث يجد نفسه مندفعاً وراء تفسير لمرضه على الإنترنت.

لهذا السبب يرى الباحث جوناثان كابلان، في مقال عنوانه: «القلم أقوى من الميكروسكوب: الصحافة الطبية بين العلم والأخلاق»، أن «مهمة اعتماد صحافي طبي والوثوق به لأداء مهمته صعبة، فالعلم صعب حتى على الباحثين فهمه، فما بالك بغير المتخصصين، وما بالك إذا حاول الصحافي الطبي نقله لآخرين من القراء العاديين».

أما الكاتبة الصحافية في «ذي جورنال أوف ذي ميديكال رايترز إسوسيشن»، جوي هيلان، فترى أن تكوين الصحافي الطبي هو الأصعب بين زملائه الصحافيين الآخرين، فهو «بقدر احتياجه لتأهيل طبي رفيع»، بحاجة أيضاً إلى «قدرات في تبسيط العلم للعامة»، وإلى «نوع من الجمع بين المعرفة العامة والتخصص»، علاوة على إتقانه الخبرات الصحافية الاعتيادية كالتقاط الخبر والقدرة على تقصيه، وإجراء الحوار، وكشف ما وراء الخبر وما شابه ذلك.

وتعرف «شبكة الصحافيين الدوليين» الصحافة الطبية بأنها «مجموع الأنشطة الإعلامية التي تتنوع بين متابعة، وجمع وتحليل، ثم تدقيق ونشر، والهادفة لرفع الوعي والتثقيف الصحي عند مختلف القطاعات المجتمعية، وإعلام الجمهور، سواء المتخصص أو العام، بما هو جديد من اختراعات وعلاجات ومخاطر».

وقد برزت قيمة الصحافة الطبية بشكل واسع، بعد مرحلة العولمة والثورة المعلوماتية والإخبارية، وتجلى ذلك في أزمة فيروس كورونا المستجدة الجارية، حيث أصبح الفرق بين منطقة وأخرى ليس فقط في قدرتها الطبية على التحرك اللوجستي، بل في قدرة صحافتها الطبية على تسليح مواطنيها بإجابات عن مئات الأسئلة عن الفيروس، وبرزت في هذا صحف، مثل: «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«لوس أنجلوس تايمز»، التي لم تقدم فقط تغطيات ميدانية لواقع الفيروس، وحجم إصاباته ووفياته، بل استطاعت بطواقم صحافتها الطبية المتميزة أن تقدم مادة علمية أعمق، حول أسئلة عن ماهية الوباء، والمعايير التي يمكن تطبيقها على كورونا، لاعتباره أو عدم اعتباره كذلك، ولماذا بدا كخدعة، وما الآفاق التي يمكن أن يتحول إليها الفيروس في تطور لاحق، وما أفق العلاج وتوقعات زمن الوصول إليه.

تبقى الأزمة في «الصحافة الطبية» واقعها العربي، إذ لاتزال، حتى اللحظة، لا تعدو «مجموعة ترجمات»، وهذا رافد مهم لكنه لا يكفي.

طباعة