تسعى إلى استقبال الملايين منهم بعد تراجع عدد السكان فيها

عقبات لغوية تحول دون اندماج المهاجرين في روسيا

صورة

من المقرر أن يبدأ الأطفال المهاجرون في رياض الأطفال الروسية تعلّم لغة بلدهم الجديد، حيث تبدأ السلطات برنامج تدريب المعلمين لإدماج الأطفال في المجتمع، ومعالجة المشكلة الديموغرافية.

يسافر مئات الآلاف من العمال من آسيا الوسطى والقوقاز إلى روسيا، كل عام، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، في عام 1991، بحثاً عن عمل موسمي، لكن كثيرين منهم يفضلون البقاء لمدى اطول، ما يعني ان أطفالهم يدخلون في نظام مدرسي، لا يخصص موارد لتعليمهم اللغة الروسية كلغة ثانية.

وقالت الباحثة إيكاترينا ديمينتسيفا، التي تعمل في مجال دمج أطفال المهاجرين في نظام المدارس الروسية: «إنها مشكلة قديمة ويجب حلها»، متابعة «لقد بدأت الحكومة أخيراً بالاهتمام بهذا الأمر».

المؤيدون لتدريس الروسية كلغة ثانية، رحبوا بهذه الخطوة، التي أُطلقت في شكل مناقصة من قبل وزارة التعليم، هذا الشهر، وخصص لها أكثر من 174 ألف دولار لتدريب معلمي رياض الأطفال حتى عام 2021، لكن هؤلاء المعلمين أنفسهم شككوا أيضاً في مدى فعالية الخطة الحكومية. ويتمتع جميع الأطفال الروس بالحق الدستوري في الالتحاق بالمدرسة، إلا أن خبراء التعليم يقولون إن هناك عجزاً في رياض الأطفال. وأشار إحصاء رسمي حديث إلى أن ما يقرب من نصف مليون طفل لم يتمكنوا من الالتحاق برياض الأطفال.

عزوف

نتيجة لقوائم الانتظار الطويلة وحقيقة أنه حتى السكان المحليون يواجهون صعوبات في التحاق أطفالهم، يقول خبراء في تعليم الأطفال المهاجرين إن الأطفال الذين لا يعرفون الروسية منذ الولادة أو الذين لا تتحدث عائلاتهم بالروسية، غالباً ما يعزفون عن الالتحاق برياض الأطفال، على أساس أنهم لن يكونوا قادرين على التعلم بفاعلية. وفي ذلك تقول ديمينتسيفا عن تخصيص الأموال لمعلمي رياض الأطفال: «إنه أمر سخيف»، موضحة «بالطبع، من الجيد لهؤلاء المعلمين أن يمتلكوا هذه المهارات. ولكن الواقع هو أنه سيكون لديهم عدد قليل جداً من الأطفال للتدريس».

توجيه الموارد

إلى ذلك، يجادل الخبراء بأن الموارد يجب أن تكون موجهة نحو تدريس الروسية كلغة ثانية في المدارس الابتدائية، لأن المدرسين غالباً ما يجدون طلاباً في فصولهم لا يجيدون اللغة الروسية. ودون موارد مخصصة على وجه التحديد، يتم تنفيذ الخطة على نطاق محدود. وقالت ديمينتسيفا: «أسافر إلى المدارس في جميع أنحاء البلاد، وإذا صادفت أي شخص يُدرس الروسية كلغة أجنبية، فهو معلم كبير يجد وقتاً للتواجد في المدرسة مع هؤلاء التلاميذ».

ومع الاعتراف بالحاجة إلى مزيد من العمل، يرى الخبراء أن هذه الخطوة إشارة إلى أن السلطات قد بدأت تفكر في الأمر. ويرى كونستانتين ترويتسكي، الذي يدير برنامج تعليم الأطفال المهاجرين «إذا كانت وزارة التعليم تحاول تحضير الأطفال للبقاء والعمل في روسيا، فيجب القيام بالكثير، كما يتعين النظر إلى المشكلة ككل، لكن بالطبع أي خطوة أولى فهي جيدة»، يؤكد ترويتسكي، إذ جاءت الخطوة الأولى نحو الاندماج في الوقت الذي تواجه فيه روسيا تحدياً آخر هو انخفاض عدد السكان.

النمو المطلوب

في العام الماضي، وللمرة الأولى منذ عقد من الزمان، لم تتمكن الهجرة من تعويض انخفاض عدد سكان روسيا بعد وصول نحو 125 ألفاً فقط من الأجانب إلى البلاد. للوصول إلى النمو المطلوب كل عام، تحتاج روسيا إلى جذب ما يصل إلى 300 ألف شخص، إذ إن نقص السكان يعيق الاقتصاد الروسي. ويقدر مدير قسم التركيبة السكانية في جامعة موسكو الحكومية، فاليري إليزاروف، أن البلاد تخسر نحو مليون عامل سنوياً، نتيجة لحركة السكان، وعدم التوازن بين الأجيال.

وأضاف إليزاروف «إن الجيل الذي وصل الآن إلى سن التقاعد أكبر بكثير من الجيل الحالي الذي يدخل سوق العمل». وكما ذكرت وكالة «بلومبرغ نيوز»، العام الماضي، فإن هذا الخلل قد يقلل الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بما يصل إلى 1% سنوياً.

أعطى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الأولوية لسياسة الهجرة لتجديد القوى العاملة في روسيا، وأضفى الطابع الرسمي على خطة عمل العام الماضي للفترة 2019-2025. في مارس، ذكرت صحيفة «كوميرسانت» اليومية أن الكرملين يخطط لجذب ما يصل إلى 10 ملايين مهاجر ناطق بالروسية على مدار فترة السنوات الست. وتركز الخطة على أوكرانيا وكازاخستان وأوزباكستان ومولدوفا ودول أخرى من الاتحاد السوفيتي التي لديها سكان ناطقون بالروسية، ويمكن توفير مواطنين روس جدد، غير أن الخبراء يقولون إن الهدف غير قابل للتحقيق.

جميع البلدان

وقالت كارينا بيبيا، وهي عالمة اجتماع في مركز «ليفادا» لاستطلاعات الرأي المستقلة، إن «المهاجرين الذين أرادوا القدوم إلى روسيا من تلك الدول قد أتوا بالفعل».

من جهتها، قالت ديمينتسيفا إنه إذا كانت روسيا تركز أكثر على الاندماج في نظامها المدرسي، فلا ينبغي أن تقتصر على المهاجرين الناطقين بالروسية «نحن بحاجة إلى توجيه أنفسنا إلى جميع البلدان».

ومع ذلك، حذرت بيبيا من أن اللغة والتكامل الثقافي ليسا الحواجز الوحيدة التي يجب التغلب عليها. وفقاً لآخر أرقام «ليفادا»، يعتقد ثلثا الروس أنه يجب تقليص الهجرة، حتى في الوقت الذي يستعد فيه الكرملين لاستقبال المزيد من الأشخاص. وبينما كان يُنظر إلى اللغة كمسألة مهمة، إلا أنها لم تكن لها الأسبقية في اهتمامات المشاركين باستطلاعات «ليفادا». وقالت بيبيا: «إن أكثر الردود شيوعاً هو أن (المهاجرين يشغلون وظائفنا)»، متابعة «هذه مشكلة لن تُحل بتعلم اللغة فقط».

ركود ديموغرافي

يسير عدد السكان الروس على مسار التناقص للمرة الأولى منذ عقد من الزمان، وتبدو الحكومة غير قادرة على مواجهة الركود الديموغرافي الذي حاولت عكسه في السنوات الأخيرة. وتواجه روسيا أزمة سكانية ثانية، إذ وصل أولئك الذين ولدوا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى سن الإنجاب. في حملته الانتخابية لعام 2018، تعهد الرئيس فلاديمير بوتين بإنفاق 8.6 مليارات دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة على برامج تشمل دعم الرهن العقاري ومدفوعات للعائلات لتشجيع الإنجاب.

وقالت وكالة الإحصاء الروسية «روزستات» في تقرير نشر أخيراً، إن إجمالي سكان روسيا انخفض في الفترة ما بين يناير وأكتوبر بمقدار 78 ألفاً و700 شخص. لم يكن تدفق المهاجرين بنحو 102 ألف شخص قادراً على دعم تراجع عدد السكان، كما كان في السنوات السابقة، ولم يغطِّ سوى 56.4% من الانخفاض الطبيعي البالغ 180 ألفاً و500 شخص، إذ استمرت الوفيات في تجاوز عدد المواليد في عام 2018.

وقالت الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة، الأسبوع الماضي، في تحليلها لبيانات الربع الثالث: «هذا الوضع آخذ في الظهور للمرة الأولى هذا العقد». وكانت آخر مرة انخفض فيها عدد سكان روسيا ولم تكن الهجرة قادرة على عكس هذا الاتجاه في عام 2008، وفقاً لما قالته الباحثة الرئيسة في علم السكان بالأكاديمية، نيكيتا مكرتشيان، متابعة «لن نكون قادرين على سد الفارق بين الخسارة الطبيعية ونمو الهجرة». وقالت وكالة الإحصاء إن ما مجموعه 1.3 مليون طفل ولدوا بين شهري يناير وأكتوبر من العام الماضي، بانخفاض قدره 66 ألفاً عن الفترة نفسها من عام 2017، إذ انخفضت معدلات المواليد في 83 من 85 منطقة روسية. وفي الوقت نفسه، تم تسجيل 1.5 مليون حالة وفاة في روسيا في الأشهر العشرة الأولى من عام 2018.

تمييز كبير

ساعد المهاجرون روسيا على تلبية احتياجاتها من القوى العاملة، بعد أن انخفض معدل المواليد فيها. وتصنف الحكومة هؤلاء العمال الى فئتين: مهاجرون مؤقتون يؤدون مهام يدوية ويعودون إلى بلدانهم سنوياً؛ وعمال يبقون سنة أو أكثر، وكثير منهم يسعون في النهاية للحصول على الجنسية.

ويقول خبير الهجرة، يفيغني فارشيفر: «إن هناك تمييزاً كبيراً في روسيا»، متابعاً «عدم التواصل يسهم في استمرار الخوف وعدم الثقة بين كلا الجانبين (المحليين والمهاجرين)، وقد يؤدي إلى صراعات عرقية».

كنان ماميدلي، (22 سنة)، يعيش في مدينة فولغوغراد الروسية منذ طفولته. درس في مدارسها ويدرس الآن في جامعة الإدارة المحلية. على الرغم من أنه ولد في أذربيجان ويحمل جواز سفر موطنه الأصلي، إلا أن اللغة الروسية هي لغته الأم.

إنه يرغب بالبقاء في روسيا بعد التخرج لاكتساب الخبرة العملية، ومن ثم العودة إلى أذربيجان ذات يوم. ولكن ما لم يتخلَّ عن جنسيته الأذربيجانية والتقدم بطلب للحصول على جواز سفر روسي، فمن المرجح أن يغادر فور تخرجه.

«عندما كنت طفلاً، استخدمت وثائق مؤقتة، وبعد ذلك، عندما كنت في المدرسة، تقدمت بطلب مرات عدة للحصول على تصريح إقامة أو بطاقة إقامة دائمة»، يقول ماميدلي، ويضيف «لكن في كل مرة لم تكن هناك أماكن كافية (في الحصة المتاحة)، التي تحددها الحكومة كل عام. والآن، لا يمكنني أن أكون في روسيا إلا خلال العام الدراسي».

تعويض الخسائر

انخفض عدد سكان روسيا إلى 146.8 مليون نسمة في عام 2018، وفقاً لبيانات رسمية صدرت أخيراً، وهو أول انخفاض في 10 سنوات. لم تتمكن الهجرة من تعويض خسائر السكان الطبيعية للمرة الأولى منذ عام 2008. أعطى الرئيس فلاديمير بوتين الأولوية لسياسة الهجرة من خلال التوقيع على خطة عمل ومنح العملية حقوقاً دستورية. وتتضمن الخطة منح الجنسية إلى من 5 - 10 ملايين مهاجر، وفق مصادر تشارك في تنفيذ خطة بوتين لسياسة الهجرة.

وتستهدف الخطة سكان أوكرانيا وكازاخستان وأوزبكستان ومولدوفا وغيرها من دول الاتحاد السوفيتي سابقاً. وتحتاج إلى عدد كبير من المهاجرين للوصول إلى النمو السكاني الصفري. والعديد من مشروعات القوانين التي صُممت لتخفيف قواعد الجنسية والهجرة هي، أيضاً، في طور الإعداد، بعضها يمكن أن يدخل حيز التنفيذ قريباً.


300

ألف شخص

مهاجر سنوياً لسد

العجز الديموغرافي

في روسيا.

10

ملايين مهاجر ناطق

بالروسية تريد موسكو

استقبالهم على مدار

ست سنوات.

- في العام الماضي،

وللمرة الأولى منذ عقد

من الزمان، لم تتمكن

الهجرة من تعويض

انخفاض عدد سكان

روسيا بعد وصول نحو

125 ألفاً فقط من

الأجانب إلى البلاد.

طباعة