1.9 ساعة يومياً يُوظّف فيها طلبة الإمارات الأجهزة الرقمية للتعلّم مقابل 1.7 ساعة دولياً
خبراء وأكاديميون: منع الهواتف في المدارس يعزز بيئة التحصيل ويحدّ من التشتيت الرقمي
كشفت أحدث نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة «PISA 2025»، أن الإمارات تتقدم في ضبط الهواتف داخل المدارس، إذ يدرس 90.1% من طلبة الدولة في مدارس لا تسمح باستخدامها، مقابل 49.5% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما أكد خبراء وأكاديميون أن منع الهواتف في المدارس يعزز بيئة التحصيل ويحد من التشتيت الرقمي.
وأوضحت بيانات «PISA» أن طلبة الإمارات يستخدمون الأجهزة الرقمية لأغراض التعلم داخل المدرسة بمعدل 1.9 ساعة يومياً، مقابل 1.7 ساعة في دول المنظمة.
وعلى نطاق أوسع، تكتسب موجة إبعاد الهواتف عن المدارس زخماً عالمياً، بعدما انتقلت من إجراء انضباطي محدود إلى سياسة تعليمية واسعة، إذ ارتفع عدد الأنظمة التعليمية التي تطبق حظراً وطنياً للهواتف إلى 114 نظاماً، تغطي 58% من دول العالم.
وتضع البيانات، التي اطلعت عليها «الإمارات اليوم»، الهاتف في صميم معركة الانتباه داخل الفصل، إذ أفاد 23% من طلبة الإمارات بتعرض زملائهم للتشتيت المتكرر بالأجهزة الرقمية خلال معظم حصص العلوم أو جميعها، مقابل 28% في دول المنظمة، حيث سجل الطلبة الذين يدرسون وسط هذا التشتيت أداءً أقل بـ24 نقطة في العلوم، مقارنة بأقرانهم غير المتعرضين له، بعد احتساب الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، مقابل فارق 11 نقطة على مستوى دول المنظمة.
وتكتسب المؤشرات أهمية خاصة مع العام الأكاديمي 2026-2027، في ظل تشديد المدارس في الإمارات ضوابط الهواتف، بالتوازي مع التوسع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يُكرّس معادلة واضحة: تقييد الجهاز الشخصي المشتت، وتوسيع التكنولوجيا التعليمية الموجهة.
تقييد الاستخدام
وفي التفاصيل، تكشف بيانات تقرير الرصد العالمي للتعليم التابع لليونسكو تسارعاً لافتاً في الحظر، إذ ارتفعت نسبة الأنظمة التعليمية التي تطبق حظراً وطنياً للهواتف من 24% في 2023 إلى 40% مطلع 2025، ثم 58% في مارس الماضي، بما يعادل 114 نظاماً تعليمياً.
وفي الولايات المتحدة، أصبحت 39 ولاية تطبق حظراً أو تلزم المناطق التعليمية بتقييد استخدام الهواتف، فيما تتفاوت النماذج عالمياً بين منع الجهاز طوال اليوم الدراسي أو داخل الحصة فقط، مع استثناءات للأغراض التعليمية والحالات الصحية وأصحاب الهمم.
وتربط اليونسكو هذا التحول بتزايد المخاوف من تشتيت الانتباه، والتنمر الإلكتروني، وتأثير الاستخدام الرقمي في رفاه الطلبة، لكنها تؤكد أن الحظر وحده لا يكفي، وأن المطلوب بالتوازي بناء الثقافة الرقمية، وقدرة الطالب على إدارة الشاشة.
حظر الهاتف وليس التكنولوجيا
ووفق «PISA» أفاد 96.3% من طلبة الإمارات بأن مدارسهم لديها إرشادات مرتبطة بالمواد الدراسية لاستخدام الأجهزة الرقمية، فيما قال 81.7% إنهم يتعلمون كيفية تقييم المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وتكشف الأرقام جوهر النموذج الإماراتي: الهاتف الشخصي خارج الحصة، والتكنولوجيا التعليمية في قلبها.
وتُعزّز الأطر التنظيمية المحلية هذا الاتجاه، إذ يدخل التزام المدارس بإجراءات عدم إحضار الهواتف المحمولة إلى الحرم المدرسي ضمن عناصر التفتيش على المدارس الخاصة في الإمارات الشمالية، فيما تضع الجهات التعليمية تنظيم الأجهزة ضمن منظومة الانضباط والسلامة والسلوك المدرسي.
المدرسة
ويرى ولي الأمر، عادل شحاتة، أن جوهر الحظر يكمن في منح الطالب ساعات يومية ينفصل خلالها عن الإشعارات والمحادثات والألعاب، بما يعيد مساحة أكبر للتركيز والتفاعل المباشر داخل المدرسة، خصوصاً أن أثر التشتيت لا يقتصر على مستخدم الهاتف، وإنما ينتقل إلى المحيطين به.
ويضع ولي الأمر، محمد طه، حالات الطوارئ والتواصل مع الأبناء في صدارة الهواجس الأسرية، ما يستدعي توفير قناة مدرسية سريعة وموثوقة، تتيح للأسرة الوصول إلى الطالب عند الضرورة، من دون تحويل الاستثناء إلى منفذ يعيد الهاتف إلى الاستخدام اليومي.
أما ولية الأمر، ميادة ياسين، فترى أن الحظر المدرسي يفقد جانباً من أثره إذا عاد الطالب إلى استخدام مفتوح للشاشة بعد الدوام، ما يجعل الأسرة شريكاً أساسياً في ضبط الوقت الرقمي، وهي رؤية تتقاطع مع تأكيد اليونسكو أن المنع ينبغي أن يصاحبه بناء للوعي والضبط الذاتي.
استعادة الحصة
ومن داخل الفصل، تضع المعلمة أسماء عمار استعادة تركيز الطالب وزمن الحصة في مقدمة مكاسب ضبط الهاتف، لاسيما أن المقاطعة الرقمية لا تنتهي بمجرد إغلاق الشاشة، وإنما تقطع سلسلة الانتباه، وتؤثر في مواصلة المهمة التعليمية.
وتؤكد بيانات الإمارات حجم التحدي، ففي PISA 2022، أفاد 24% من الطلبة بأن الأجهزة الرقمية تشتتهم في معظم حصص الرياضيات أو جميعها، وقال 22% إن أجهزة زملائهم تشتتهم، فيما أظهرت نتائج 2025 استمرار تشتيت أجهزة الزملاء لدى 23% خلال حصص العلوم.
وتفصل المعلمة سمر محمد بين الهاتف والتكنولوجيا التعليمية، فالجهاز المستخدم في مهمة محددة تحت إشراف المعلم يختلف عن هاتف شخصي يجمع في شاشة واحدة الدرس والرسائل والألعاب ومنصات التواصل، بما يجعل القضية تتمثّل في تنظيم الاستخدام وليس إقصاء التكنولوجيا.
اختبار أثناء التنفيذ
ويضع مدير عام مدرسة دبي للتربية الحديثة، مايكل بارتليت، التنفيذ اليومي في صميم نجاح السياسة، إذ تصنع الفارق آليات واضحة تبدأ من دخول الطالب المدرسة، مروراً بالتعامل مع المخالفة وتكرارها وإبلاغ الأسرة، وصولاً إلى ضمان التواصل في الحالات العاجلة.
وتكشف التجارب الدولية أن وجود الحظر على الورق لا يعني اختفاء الهاتف من الفصل، ما يجعل اتساق التطبيق بين الإدارة والمعلمين وتعاون الأسرة شرطاً لتحويل القرار إلى سلوك مدرسي مستدام.
استعادة زمن التعلم
وأكد خبراء وأكاديميون أن منع الهواتف يعزز بيئة التحصيل ويحد من التشتيت الرقمي، حيث ربط الخبير التربوي، الدكتور أحمد آل علي، الحظر بجودة التحصيل، في ظل الأدلة التي تربط التشتيت الرقمي بأداء أضعف، من دون الجزم بأن المنع وحده يرفع الدرجات.
وتبرز هنا نتائج الإمارات، إذ سجل الطلبة الذين أفادوا بتشتيت رقمي متكرر بين زملائهم 24 نقطة أقل في العلوم، مقابل فجوة 11 نقطة في دول المنظمة، ما يضع أمام المدارس سؤالاً يتجاوز ضبط الجهاز إلى قياس أثر السياسة فعلياً على المشاركة والتركيز والتحصيل.
ورأى التربوي الدكتور فارس الجبور أن نجاح السياسة لا يقاس بعدد الهواتف المصادرة، بل بما تستعيده المدرسة من زمن التعلم وتركيز الطالب وقدرة المعلم على إدارة الحصة، على أن يتطور الضبط تدريجياً من منع خارجي إلى قدرة ذاتية لدى الطالب على التحكم في استخدامه.
الذكاء الاصطناعي
ويرى رئيس جامعة دبي، الدكتور عيسى البستكي، أن تقدم الإمارات في الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي لا يتعارض مع حظر الهاتف الشخصي، إذ إن التحول الرقمي لا يقاس بعدد الساعات أمام الشاشة، وإنما بقيمة الاستخدام.
وتدعم النتائج هذا الاتجاه، إذ يستخدم 64.3% من طلبة الإمارات الذكاء الاصطناعي أسبوعياً على الأقل للمساعدة في التعلم، فيما يتعلم 81.7% منهم كيفية تقييم المعلومات التي ينتجها، بما يعكس انتقال المدرسة من «استخدام التكنولوجيا» إلى تعليم الطالب كيف ومتى ولماذا يستخدمها.
مؤشرات نجاح
ويضع الخبير التربوي، الدكتور جمال مجاهد، قياس النتائج في صدارة المرحلة المقبلة، مؤكداً أهمية ألّا يُختزل النجاح في اختفاء الهاتف من الطاولات، وإنما يقاس عبر التركيز، والمشاركة الصفية، والتحصيل، والمخالفات، والتنمر الإلكتروني، والتفاعل الاجتماعي، والزمن الفعلي للتدريس.
وتدعم الدراسات الدولية هذا الحذر، إذ وجدت دراسة بريطانية شملت 1227 طالباً في 30 مدرسة أن القيود خفّضت استخدام الهواتف ووسائل التواصل خلال اليوم الدراسي، لكنها لم تسجل فروقاً ذات دلالة في الصحة النفسية أو النوم أو النشاط البدني أو التحصيل، ولم تُخفّض إجمالي استخدام الهاتف خارج المدرسة، والخلاصة أن المدرسة تستطيع حماية ساعات الدراسة من الهاتف، لكنها لا تستطيع وحدها إدارة بقية يوم الطالب.
الانتباه
وتضع مستشارة الصحة النفسية والتربوية، الدكتورة إيمان محمد جوهر، القضية في قدرة الطفل والمراهق على التحكم في الانتباه، وتأجيل الاستجابة للإشعارات والرغبة المتكررة في تفقد الشاشة، مؤكدة أن المصادرة ينبغي ألّا تتحول إلى غاية، وإنما أداة ضمن عملية تربوية تبني الضبط الذاتي، وتزداد أهمية ذلك مع نتائج PISA 2025، التي شملت نحو 760 ألف طالب في 91 دولة واقتصاداً، وأعادت التشتيت الرقمي إلى واجهة النقاش العالمي حول جودة التعلم، في وقت تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمكنهما دعم التعليم عندما يرتبط استخدامهما بهدف واضح، وليس عندما يصبحان بديلاً عن الانتباه والجهد.
«مناعة رقمية»
وتكشف المقارنة أن الإمارات قطعت شوطاً متقدماً في ضبط الهاتف الشخصي، إذ تبلغ نسبة طلبتها في المدارس التي لا تسمح باستخدامه 90.1%، مقابل 49.5% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
حظر الهواتف.. والمصادرة حتى نهاية العام
حظرت وزارة التربية والتعليم إحضار الهواتف المحمولة إلى الحرم المدرسي، وألزمت المدارس بضوابط محددة للتفتيش والمصادرة والتعامل مع المخالفات، وفق تعميم وجهته إلى مديري المدارس ورياض الأطفال، بالقرار الوزاري رقم 851 لسنة 2018، بشأن لائحة إدارة سلوك الطلبة في مؤسسات التعليم العام، وتحديداً المادة (7) الخاصة بمخالفات الدرجة الثانية (2.7)، المتعلقة بإحضار الهاتف النقال أو إساءة استخدام وسائل الاتصال.
ويستهدف الحظر حماية الطلبة من الأضرار المرتبطة بحمل الهواتف واستخدامها داخل المدرسة، وتعزيز السلوك الإيجابي، وترسيخ بيئة تعليمية آمنة، فيما ألزمت الوزارة المدارس بتنفيذ حملات تفتيش دورية، للكشف عن الهواتف الذكية، وفق اللوائح المعتمدة، وبما يصون خصوصية الطلبة.
وحددت إجراءات حازمة للتعامل مع المخالفات، إذ يُصادر أي هاتف يُضبط بحوزة الطالب داخل المدرسة، مع إبلاغ ولي الأمر، وحجز الجهاز لمدة شهر في المرة الأولى، وحتى نهاية العام الدراسي عند تكرار المخالفة.
وشددت الوزارة على تطبيق العقوبات المنصوص عليها في لائحة السلوك بحق الطلبة الذين يستخدمون الهواتف في أغراض غير قانونية أو غير أخلاقية أو مسيئة للآخرين، مع إبلاغ ولي الأمر فور ضبط المخالفة واستدعائه وإطلاعه على تفاصيلها، وتوقيعه النماذج الرسمية المعتمدة، وهي «النموذج 24» عند مصادرة الهاتف، و«النموذج 25» عند إعادته.
. 81 % من طلبة الإمارات يتعلمون كيفية تقييم المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news