أسوأ مكان في العالم للمرأة

نساء في أفغانستان ينتحرن تخلّصاً من العنف المنزلي

صورة

كما هي الحال في جميع المجتمعات التي مزّقتها الحرب، تعاني النساء في أفغانستان الاضطهاد والعنف. ولاتزال هذه البلاد تحتل المرتبة الأسوأ في العالم من حيث وضع المرأة. وعلى الرغم من جهود الحكومة الأفغانية والجهات المانحة الدولية منذ عام 2001 لتعليم المرأة، فإن ثلثي الفتيات الأفغانيات لا يذهبن إلى المدارس. 87% من النساء الأفغانيات أميات، في حين أن 70 إلى 80% منهن يتعرضن للزواج القسري، وكثير منهن يتم تزويجهن قبل سن السادسة عشرة.

وتشير الإحصاءات الحكومية اعتباراً من عام 2014 إلى أن 80% من جميع حالات الانتحار ترتكبها نساء، ما يجعل أفغانستان واحداً من الأماكن القليلة في العالم التي ترتفع فيها معدلات انتحار النساء. ويعزو علماء النفس هذه الحالة الشاذة إلى حلقة لا تنتهي من العنف المنزلي والفقر. وكشف مسح منظمة «الحقوق العالمية» في عام 2008 أن نحو 90% من النساء الأفغانيات يتعرضن للإيذاء المنزلي.

مأساة «خديجة»

كان صباحاً مشمساً في أوائل ديسمبر من العام الماضي عندما أشعلت خديجة، البالغة من العمر 23 عاماً، النار في نفسها. وقبل أن تفعل ذلك قبّلت ابنها محمد، البالغ من العمر ثلاثة أشهر، ورفعت يديها متوسلة إلى السماء «أسألك يا ربي أن تعينني على ظروفي»، كانت في فناء منزلها في هيرات، بأفغانستان، عندما صبّت على نفسها الكيروسين من مصباح نحاسي. ثم أشعلت عود ثقاب. آخر شيء سمعته هو زقزقة العصافير. أفاقت من غيبوبتها في صباح اليوم التالي بمستشفى هيرات في وحدة الحروق. كانت الحروق من الدرجة الثالثة تنتشر في جسمها الذي تغطيه الكثير من الضمادات.

تحدثت خديجة لوسائل الإعلام، في وقت لاحق من ذلك الأسبوع، «أنا لست على قيد الحياة، لكنني أيضاً لست ميتة». كانت تبكي وهي ممسكة بيد شقيقتها عائشة. تقول: «حاولت الهرب من المنزل وفشلت». هي مثلها مثل أغلب النساء الأفغانيات، ضحية الإيذاء المنزلي، وقالت إن زوجها ظل يضربها طوال أربع سنوات، هي عمر زواجهما، ويعيّرها بأنها قبيحة وغبية «وأنها لا شيء».

تقول خديجة في المستشفى، بينما تنهمر الدموع من عينيها: «ليس أمام النساء أي خيارات»، وتمضي قائلة: «إذا كان لديّ خيار، فلن أتزوجه، جميع النساء مقيدات بالأغلال في هذا البلد».

ألقت السلطات القبض على زوجها بتهمة ممارسته العنف المنزلي، الذي كان السبب وراء محاولة انتحارها، وهذه تهمة نادرة في بلد يتم فيه بالكاد تجريم الإساءة إلى النساء. لكن حتى عندما كان زوجها يقضي عقوبة السجن، ظلت خديجة تشعر بأنها محاصرة أكثر مما كان عليه الحال قبل محاولتها قتل نفسها، فقد اشترط عليها والدا زوجها، اللذان يعتنيان بابنها، أنها إذا أخبرت الشرطة كذباً بأن زوجها لم يُسِئ إليها أبداً، فإنها ستتمكن من رؤية ابنها عندما تعود إلى المنزل، أما إذا رفضت، فإنها لن تراه مرة أخرى.

تعكس قصة خديجة معاناة النساء للعيش بكرامة في بلد دمرته عقود من الحرب، وشحّت فيه الموارد. كما تسلط قصتها الضوء على كيفية تدخّل النساء لمساعدة بعضهن بعضاً على الرغم من الدعم الحكومي الضئيل والمعونة الدولية المتضائلة.

الحرب على النساء

وتقول المحامية الأفغانية جميلة الناصري، من منظمة ميدكا أفغانستان، وهي منظمة غير حكومية تدافع عن النساء والفتيات في الحرب والأزمات: «الوضع يزداد سوءاً في أفغانستان، ويؤلمني أن أقول هذا». وأشرفت الناصري على قضية خديجة، بالإضافة إلى حالات عشرات من النساء اللائي يلتمسن السكن في الملاجئ، أو الطلاق من الأزواج الذين يسيئون معاملتهن.

وفي مواجهة ما تسميه «الحرب على النساء»، فهي تقود ائتلافاً غير رسمي، لكنه يتسم بالتصميم من أخصائيات علم النفس والأطباء والناشطات في هيرات، اللاتي يتولين قضايا مثل قضية خديجة. تقول: «أنا أقابل خديجة جديدة كل يوم تقريباً»، وتضيف أنه في وقت سابق من الأسبوع نفسه، ادّعى رجل أن زوجته توفيت بسبب مرض عضال، إلا أن الناشطات اشتبهن في أنه قتلها. وتؤكد «نبذل قصارى جهدنا لمساعدة هؤلاء النساء، ولكن في بعض الأحيان لا نستطيع ذلك. وهذا غير مقبول لدينا».

وعود كاذبة

تقول خديجة إن إساءة معاملتها بدأت بمجرد زواجها. كان والدها (محمد) رجلاً فقيراً ولهذا السبب باعها، ووعدها زوجها بأنه يمكنها الذهاب إلى المدرسة لتحقق هدفها وتصبح خبيرة تجميل، ولكن بحلول الأسبوع الأول من الزواج أدركت أن هذا لن يحدث على الأرجح، لأن حماتها أخبرتها أن مسؤوليتها الأولى والأخيرة هي تربية الأطفال. وبعد تعرضها لحالات عدة من الإجهاض، أنجبت أخيراً ابنها محمد. ظنت أن الإساءة ستتوقف بمجرد وصوله، إلا أن الأمر بدأ يزداد سوءاً.

تقول عائشة، أخت خديجة، إن العنف المنزلي منتشر بشدة بين العائلات «فقد ظل زوجي يضربني لسنوات». ويبلغ زوج عائشة 71 عاماً، بينما تبلغ هي 26 عاماً. وتقول إنها ظلت على مدار السنين تحاول الحصول على الطلاق، لكنها تعرف الحقيقة: إنها ستفقد حضانة أطفالها الثلاثة، ومن المحتمل ألا تتزوج مطلقاً مرة أخرى. وفي حالات الطلاق، تحظى المرأة بحضانة أطفالها حتى يبلغوا سن السابعة، ثم تترك الأطفال لأبيهم. وتقول طبيبة خديجة النفسية، نعمة نكيد، وهي واحدة من الطبيبات القليلات في أفغانستان اللاتي يقدمن المشورة للناجين من الانتحار، إنها وزملاءها شهدوا ارتفاعاً حاداً في حالات الانتحار بين النساء خلال السنوات القليلة الماضية. عندما كانت خديجة في الثالثة من عمرها، توفيت والدتها بسبب مضاعفات الولادة، تاركة والدهم محمد لتربية خديجة وأخواتها الأربع، حيث تعتبر أفغانستان إحدى الدول التي تعاني أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم عند الولادة.

أعلى مهر

عندما كانت خديجة في الخامسة عشرة من عمرها، بدأ والدها يتلقى طلبات زواجها ويتخير أعلى مهر، وجاءه عرض عالٍ من عائلة من الطبقة العاملة في هيرات ذات سمعة جيدة، حيث دفعت العائلة 3400 دولار مهراً لخديجة. يقول محمد إنه يفهم أن ابنته غير سعيدة، لكن ليس لديها خيار آخر، حتى ولو كان زوجها يسيء معاملتها، فإن ابنته يجب أن تظل مع زوجها. ويقول: «لا يمكنني الاعتناء بها، أتمنى لو استطعت ذلك، لكنها أفضل حالاً مع زوجها». مديرة شبكة النساء الأفغانيات، حسينة نيكزاد، زارت خديجة وذكّرتها بأنه يمكنها التقدم بطلب للحصول على الطلاق، بكت خديجة وقالت «إلى أين سأذهب؟ ماتت أمي وأبي كبير في السن». اقترحت نيكزاد أنها يمكن أن تنتقل إلى ملجأ وتتعلم مهنة مثل الخياطة. هزت خديجة رأسها ونظرت إلى الأسفل. في ديسمبر الماضي، قالت نكزاد إنها غير متأكدة من أن خديجة ستستمر في اجراءات الطلاق، تقول: «من الأسهل في كثير من الأحيان التعايش مع الألم، لأن بدء حياة جديدة في أفغانستان يبدو مستحيلاً».

مصير مجهول

في يونيو الماضي، عندما غادرت خديجة المستشفى، أخبرت الناصري أنها ستعود إلى والدَي زوجها، كانت تخشى عدم رؤية ابنها الأكبر مرة أخرى. ولكن بعد شهر من العيش معهما، اتصلت خديجة بالناصري في منتصف الليل وهي تبكي وتقول إنهما رفضا السماح لها برؤية ابنها، وأن زوجها يعتزم معاقبتها عندما يخرج من السجن. ونظراً لعدم وجود مكان ملائم لها في هيرات، قررت خديجة العيش في شقة والدها المكونة من غرفة واحدة، لكن زوجة والدها لم ترحب بها.

في أواخر نوفمبر، تم إطلاق سراح زوجها من السجن، وبعد فترة وجيزة، حاولت الناصري الاتصال بها، لكنها لم تستطع الوصول إليها، فقد ظل هاتفها مغلقاً منذ ذلك الحين. وتعتقد الناصري أن خديجة فرت عبر الحدود إلى إيران. بالنسبة للناصري، تعتبر خديجة واحدة من بين أكثر الضحايا المجهولين في الحرب التي تقودها البلاد ضد النساء.

تجربة مريرة

تعرف جميلة الناصري هذا الإرث جيداً، فقد أُجبرت والدتها على الزواج من والدها عندما كان عمرها 12 عاماً فقط، وتقول إنها تعرضت للإساءة لسنوات. ولكي تذهب الناصري إلى المدرسة، صنعت هي ووالدتها الأكاذيب لإقناع والدها بالسماح لها بمغادرة المنزل والالتحاق بالمدرسة، وكانتا تخبرانه بأنها ذاهبة إلى المسجد أو لدراسة القرآن، حيث إن والدها يعتقد أن المدرسة ليست مكاناً مناسباً للفتيات. وفي النهاية، أقنعتاه بأن يسمح لها بالالتحاق بالجامعة؛ حيث أصبحت المرأة الأولى والوحيدة في عائلتها التي حصلت على درجة علمية. وفي مواجهة الكثير من الاضطهاد، تعهدت الناصري بأن تصبح محامية لتساعد نساءً مثل أمها، وأختها التي أجبرت على الزواج في سن الـ14.

وتقول الناصري إن على النساء الأفغانيات أخذ الأمور بأيديهن. وتضيف خلال حديثها في مكتبها في ميديكا: «لا يمكننا انتظار الحكومة والمؤسسات الخيرية الدولية أن تنقذنا أو تحررنا». وفي هذه الأثناء كانت هناك فتاة في المكتب تبلغ من العمر 16 عاماً، اسمها سحر، تنتظر التحدث إلى الناصري، فقد أحضرتها والدتها إلى ميديكا، بعد أن حاولت القفز من شرفة في الطابق السادس من المبنى، وكان السبب هو إجبارها على الزواج من ابن عمها. وتقول الناصري في هذا الخصوص: «عند القيام بهذا العمل بمفردي، تكون المخاطر عالية فقد أتعرض للقتل في أي لحظة»، وتقول إنه لا يمر أسبوع دون أن تتلقى تهديدات بالقتل. في العام الماضي جاء إلى المركز حشد غاضب من الرجال مهددين بحرق المركز وتسويته بالأرض، مدّعين أن الناصري تشجع على الطلاق وتلحق الضرر بنسيج المجتمع الأفغاني. ترجمة: ع.خ

الدعم المالي يذهب إلى جيوب الفاسدين

هيرات، مقاطعة تقع في غرب أفغانستان بالقرب من الحدود مع إيران، لديها بعض من أعلى معدلات العنف ضد المرأة في البلاد، وبعض من أعلى معدلات الانتحار بين النساء. وتقول عالمة النفس، نعمة نكيد، التي كانت تعالج خديجة إنها تتعامل مع حالات عدة من محاولات الانتحار كل أسبوع، ولا يتم الإبلاغ عن معظم هذه الحالات بسبب الخوف من تشويه شرف العائلة.

وتقول دبلوماسية أفغانية اشترطت عدم الكشف عن هويتها خلال قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل في يوليو: «الحكومة تدّعي أنها تعطي الأولوية للنساء، لكن الوضع في الحقيقة خلاف ذلك»، وتمضي قائلة: «دعم النساء في أفغانستان يأتي من جميع أنحاء العالم، الا أن هذا المال والمساعدة لا تحصل عليها النساء مطلقاً، حيث يلتهمه الفاسدون وأمراء الحرب». وصنفت منظمة الشفافية الدولية أفغانستان على أنها رابع أكثر دول العالم فساداً في العالم، مشيرة إلى أن الفساد يعوق وصول المساعدات الإنسانية إلى من يحتاجون اليها.

أكثر من ذلك أقرت أفغانستان في فبراير 2018، قانوناً جنائياً جديداً أشادت به بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما) باعتباره علامة فارقة في إصلاح العدالة الجنائية في البلاد. ومع ذلك، فقد تمت إزالة فصل كامل من القانون قبل إقراره، وهذا الفصل ينص على تجريم العنف ضد المرأة. وفي يونيو شجب تقرير للأمم المتحدة نظام العدالة الجنائية الأفغاني، لأنه تجاهل العنف ضد المرأة. ترجمة: ع.خ


- عندما كانت

«خديجة» في

الـ15

من عمرها، بدأ

والدها يتلقى

طلبات زواجها

ويتخيّر أعلى مهر،

وجاءه عرض عالٍ

من عائلة من الطبقة

العاملة في هيرات،

ذات سمعة جيدة،

حيث دفعت العائلة

3400 دولار مهراً

لـ«خديجة».

طباعة