في طريقهم إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل

مهـاجــرون يتعرّضــون للاختــطـاف والترهيب.. والعمل القسري.. والبيع في مـــــزادات

صورة

قصة شاب نيجيري كان مهاجراً إلى أوروبا لكنه تعرض للاختطاف والبيع في ليبيا لعدد من تجار الرقيق. وسمه مالكوه بالنار في خده كما توسم الحيوانات. اسمه صنداي لابروت. غادر نيجيريا في فبراير 2016 وتوجه شمالاً بعد أن اشترى تذكرة على متن قارب للمهربين متجه إلى أوروبا، حيث سمع من أصدقائه على «فيس بوك» أن الوظائف هناك وفيرة. كان يعلم أن الرحلة التي تمتد لأكثر من 2500 ميل ستقوده عبر سهول النيجر الصحراوية، وعبر أراضي القبائل الخارجة عن القانون في جنوب ليبيا، قبل أن يصل الى الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط. وقال إنه لم يكمل رحلته، وبدلاً من ذلك، تم القبض عليه فور وصوله إلى ليبيا، ثم بيعه لرجال مسلحين يتاجرون ويسترقون مهاجرين أفارقة من أجل العمل والفدية.

وسم عقابي

ويقول إن الوسم على خده الأيسر كان عقاباً له على هروبه من مالكيه وعلامة تحدد ملكيته لهم. ووسم تجار الرقيق ايضاً 14 رجلاً آخر حاولوا الهرب من المستودع المحتجزين فيه بمنطقة بني وليد، بليبيا في عام 2017، ويقول لابروت، البالغ من العمر 32 عاماً، إن آسريه يرونه أكثر بقليل من الماشية المراد شراؤها وبيعها، «كان الأمر كما لو أننا لم نكن بشراً».

لابروت واحد من بين 650 ألف شخص من الجنسين عبروا الصحراء، على مدى السنوات الخمس الماضية، كانوا يحلمون بحياة أفضل في أوروبا. بعضهم فر من الحرب والاضطهاد في بلاده، وآخرون، مثل لابروت، غادروا قراهم، لأن الخلل الاقتصادي وفيضانات الأمطار المدمرة تجعل من المستحيل عليهم العثور على عمل، أو حتى ما يكفي من الطعام. ويلجؤون خلال هذه الرحلة المروعة للمهربين عبر الصحراء الذين يستغلونهم في تهريب الأسلحة والمخدرات والسلع الأخرى المهربة.

امتهان لبشرية الإنسان

ويجد عشرات الآلاف منهم، مثل لابروت، أنهم يعاملون ليس فقط كحمولة، ولكن أيضاً كممتلكات شخصية، محاصرين في حلقة مرعبة من الابتزاز والسجن والعمل القسري والدعارة، وفقاً لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. تقول الناطقة الإقليمية لجنوب أوروبا بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كارلوتا سامي: «إنهم لا يعاملون فقط معاملة لا إنسانية، وإنما يباعون من تاجر إلى آخر»، وتمضي قائلة: «هم في الأساس بشر مستعبدون يعاملون كممتلكات ذات قيمة ثابتة، بناءً على تقييمات نوع الدخل الذي يمكن أن يجلبوه لمالكيهم، ويعملون من دون أجر، كما هو الحال في كثير من الأحيان مع النساء».

عندما وصل لابروت إلى الحدود الجنوبية لليبيا، التقى سائق سيارة أجرة، تبدو عليه الطيبة والود، والذي عرض عليه نقله إلى العاصمة طرابلس مجاناً. وبدلاً من ذلك، باعه إلى مواطن ليبي مقابل 200 دولار، وأجبره مالكه الجديد على العمل في موقع بناء دون أجر، وهو نمط يتكرر في كل مرة يتم فيها بيعه وإعادة بيعه. يقولون له: «إذا عملت بجد، فستحصل على الخبز»، ويضيف «أما إذا رفضت العمل فستتعرض للضرب».

في عام 2016، وهو العام الذي بدأ فيه لابروت رحلته من نيجيريا، ارتفع عدد المهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا من ليبيا إلى 163 ألف مهاجر، ما أدى إلى رد فعل سياسي عارم وتصميم من الحكومات الأوروبية على وقف التدفق بأي ثمن. وفي فبراير 2017، أطلق الاتحاد الأوروبي خطة لتدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي لاعتراض قوارب المهربين وإبقاء المهاجرين في معسكرات الاعتقال.

بعد ذلك بعامين، انخفض عدد الوافدين إلى إيطاليا بنسبة 89%، لكن هذه السياسة تسببت في ما يشبه عنق الزجاجة على الجانب الآخر من البحر المتوسط، كما تسببت في أزمة إنسانية طويلة الأمد. وتقدر منظمة الهجرة الدولية أن ما يقرب من نصف مليون مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء محاصرون حالياً في ليبيا، وأن الظروف ملائمة لاستغلالهم من قبل الجماعات المسلحة والمسؤولين الفاسدين. وسافرت المدير العام للوكالة الوطنية النيجيرية لحظر الاتجار في البشر، جولي أوكاه دونلي، في مهمة لتقصي الحقائق إلى ليبيا العام الماضي، بعد سماعها تقارير عن نيجيريين يعيشون في «ظروف شبيهة بالعبودية». وأخبرت مجلة التايم بما رأته قائلة: «في بعض المخيمات التي زرناها، أخذوا بالفعل حمولة شاحنات من الرجال وذهبوا بهم للعمل في المزارع وفي المصانع دون مقابل على الإطلاق، وطالما أنهم في تلك المعسكرات، فإنهم يعاملون معاملة العبيد».

مزاد علني لبيع البشر

عندما بثت شبكة «سي إن إن» لقطات لما يبدو أنهم مهاجرون أفارقة يباعون في مزاد للرقيق في معسكر اعتقال ليبي في نوفمبر 2017، اجتاح الغضب على الفور جميع أنحاء العالم، وأدان مجلس الأمن الدولي «الانتهاكات الشنيعة»، وطالب الاتحاد الأوروبي المجتمع الدولي «بالتحرك السريع»، ودعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى عملية إنقاذ عسكرية. ولكن بعد مرور ما يزيد قليلاً على العام، لم يتم عمل الكثير لمنع هذه الانتهاكات. وجددت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي دعواتها لوقف المهاجرين المتوجهين الى أوروبا والموجودين على الساحل الليبي. وتقول مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، هبة مُرييف: «لايزال وضع اللاجئين والمهاجرين في ليبيا قاتماً، حيث إن السياسات القاسية التي وضعتها دول الاتحاد لمنع المهاجرين من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، إلى جانب دعمها غير الكافي لمساعدة اللاجئين للوصول إلى مناطق آمنة من خلال طرق منتظمة، يعني أن الآلاف من الرجال والنساء والأطفال محاصرون في ليبيا، ويواجهون انتهاكات مروعة دون حصولهم على أي مخرج».

حظ سيئ

استطاع البعض أن يهرب من دائرة العبودية الحديثة هذه، لكنها عملية محفوفة بالمخاطر ومعقدة. فبعد هروبه الأخير من خاطفيه الليبيين، تمكن لابروت من جمع ما يكفي من المال لشراء تذكرة على متن قارب للمهربين. وفي غضون ساعات من مغادرته، تم القبض عليه من قبل خفر السواحل الليبي وأعيد إلى معسكر الاعتقال. وبعد خوفه من التعرض لجولة أخرى من التعذيب والسخرة، قرر لابروت العودة طوعاً إلى نيجيريا من خلال برنامج للعودة إلى الوطن، الذي تنظمه منظمة الهجرة الدولية. وبعد أسبوع، وتحديداً في 22 مارس 2018، هبط هو و148 نيجيرياً آخرين في لاغوس من على متن طائرة مستأجرة.

حتى الآن، تمكن أكثر من 10 آلاف نيجيري من خلال هذا البرنامج من العودة إلى الوطن. ويحصل كل عائد على هاتف ووجبة، وما يعادل 112 دولاراً للوصول إلى دياره. وبمجرد استقرارهم يمكنهم التقدم للحصول على تدريب في العمل ومنح للأعمال التجارية الصغيرة، ولكن بالنسبة لمعظمهم، تعتبر العودة إلى الوطن تجربة حلوة ومرة. لقد أخذ الكثير منهم قروضاً لدفعها للمهربين، أو باعت أسرهم كل ما لديها. يقول مدير برنامج الهجرة التابع لمنظمة الهجرة الدولية في لاغوس، أبراهام تمرات: «عندما يعودون خاليي الوفاض، فإن هذا يمثل لهم تحدياً»، وانتهى المطاف بالعديد منهم إلى محاولة العودة إلى أوروبا. طالما كانت الفرص المتاحة للرجال والنساء مثل لابروت محدودة في بلدانهم الأصلية، فسيستمرون في المخاطرة بكل شيء للعثور على مصدر رزق آخر في أوروبا. يقول لابروت إنه لن يذهب عبر ليبيا مرة أخرى، لكنه يفكر في المغادرة بطريق مختلف. ويختتم حديثه «اضطررت إلى مغادرة البلاد لأنه لم يكن هناك شيء أفعله هنا، ولايزال الأمر على حاله»، ويتساءل «ماذا يجب عليّ أن أفعل؟».

وعود خلابة.. وخيبات أمل

الوضع في أوروبا بالنسبة للمهاجرين غير الشرعيين ليس بأفضل من الوضع في ليبيا، فمن بين 16 ألف امرأة وصلت إلى إيطاليا من ليبيا في الفترة من 2016 إلى 2017، وقع 80% منهن ضحية الاتجار في الجنس، وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية، احدى هؤلاء النساء هي غلاديس البالغة من العمر 22 عاماً. غادرت غلاديس نيجيريا بعد أن عرضت عليها صديقة عمتها وظيفة في صالون لتصفيف الشعر في مدينة تورينو بإيطاليا. وتقول إن الشخص الذي هربها أبقاها محبوسة في بيت للدعارة في ليبيا، وحرمها من الطعام والشراب حتى توافق على خدمة الزبائن، وفي النهاية رضخت للأمر.

وبعد وصولها إلى جنوب إيطاليا على متن قارب للمهربين، اتصلت بصديقة عمتها التي قالت لها إن الوظيفة مازالت متاحة. ولكن عندما وصلت غلاديس إلى تورينو، تغير سلوك صديقة عمتها الدافئ، وأجبرتها على دفع مبلغ 22 ألفاً و530 دولاراً التي تزعم انها تكاليف الرحلة، واضطرت الى أن تبيع نفسها في الشوارع. تقول غلاديس بمرارة: «ذهبت إلى منزلها طلباً للمساعدة، معتقدة أنني سأجد الراحة لدى مواطنة نيجيرية، ولكن بدلاً من ذلك استغلتني». لم يكن لدى غلاديس مال ولا أوراق ولا مكان للإقامة. تقول إنه لم يكن لديها خيار سوى أن تفعل ما طالبت به تلك المرأة.

بدأت النساء النيجيريات يحللن محل نساء أوروبا الشرقية في جميع أنحاء إيطاليا في مجال تجارة الجنس غير المشروعة. معظمهم، مثل غلاديس، يأتين الى أوروبا، في الغالب الأعم، عن طريق أصدقاء العائلة، الذين يغرون والديهن بوعود مالية وتشغيل بناتهم في صالونات تصفيف الشعر والفنادق والمحال التجارية في أوروبا.

وبمجرد وصولهن إلى أوروبا، يتم إبلاغهن بأنهن مدينات بمبالغ مالية تراوح بين 20 و60 ألف دولار لتغطية تكاليف رحلتهن. ويتعرضن للتهديد بالإساءة أو الترحيل أو الأذى لعائلاتهن في الوطن إذا لم يدفعن. وبمجرد سداد الديون، عادة ما تبقى النساء اللائي يتم الاتجار بهن في أوروبا لكسب المال بمفردهن، وربما يعدن إلى الوطن بأموال كافية لشراء منزل أو بدء عمل تجاري أو دعم عائلاتهن. يقول المسؤول بالمنظمة النيجيرية لمكافحة الاتجار في البشر، أوكا دونلي، في كثير من الأحيان، تتحول العائدات من أوروبا الى تاجرات بشر، ويستخدمن ثرواتهن لاستقطاب ضحايا جدد للسفر الى أوروبا وإدامة الدورة نفسها. هذا ما تعتقد غلاديس أنه حدث مع صديقة عمتها في تورينو.

«العبودية الجديدة»

قد تبدو العبودية من بقايا التاريخ، لكن الأمر المفاجئ هو أن الأشخاص المستعبدين اليوم يزيد عددهم على ثلاثة أضعاف عدد الأشخاص الذين كانوا في حالة استعباد قسري، والذين تم أسرهم وبيعهم خلال 350 عاماً من تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وذلك وفقاً لمنظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة. وهذا ما تسميه منظمة العمل الدولية «العبودية الجديدة»، الذي يستوعب داخله 25 مليون شخص يرزحون في عبودية ديون، و15 مليوناً من النساء يقعن في شراك زواج قسري.

وبما أن الاسترقاق تجارة غير مشروعة، فهي واحدة من أكثر الشبكات ربحية في العالم، حيث تدر 150 مليار دولار في السنة تقريباً، حيث إنها تأتي في المرتبة الثانية فقط بعد تهريب المخدرات وتهريب الأسلحة.

ويقول الاقتصادي بمركز كار لسياسة حقوق الإنسان، سيدهارث كارا: «العبودية الحديثة أصبحت الآن أكثر ربحية من أي وقت مضى في تاريخ البشرية».

الطريق الذي يبدأ من أكثر دول إفريقيا اكتظاظاً بالسكان إلى سواحل البحر المتوسط مربح. في الوقت الذي يدفع فيه الصراع، وتغير المناخ، وقلة الفرص، أعداداً متزايدة من الناس للهجرة عبر الحدود، نجد أن السياسات المصممة للحد من الهجرة تساعد على إيقاع المهاجرين في شراك تجار العبيد العصريين. مثل هذه التجارة أكثر وضوحاً في ليبيا، حيث وثقت منظمات الإغاثة والصحافيون مزادات عبيد حقيقية. وتنتقل هذه التجارة الآن إلى جنوب أوروبا أيضاً - لاسيما إيطاليا، حيث يُضطر المهاجرون، الذين ليس لهم قوة ولا حيلة، للعمل من دون أجر في الحقول لجمع الطماطم والزيتون والحمضيات، كما يتم الاتجار في النساء بأسواق الدعارة.

ويقول ممثل اتحاد المهاجرين، أبوبكر سوماهورو، الذي جاء إلى إيطاليا من ساحل العاج منذ 17 عاماً على أمل العثور على حياة أفضل: «لم يعد لتجار العبيد حاجة للسفر إلى إفريقيا لجلب العبيد كما كان في الزمان القديم». ويضيف قائلاً: «لقد حل حبل اليأس محل سلاسل الحديد التي تكبل الأرقاء قديماً. الآن الأفارقة يسافرون بأنفسهم إلى أوروبا ليصبحوا عبيداً».


- تقدّر منظمة الهجرة الدولية أن ما يقرب من نصف

مليون مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء محاصرون

حالياً في ليبيا، وأن الظروف ملائمة لاستغلالهم من

قبل الجماعات المسلحة والمسؤولين الفاسدين.

- تمكّن أكثر من

10 آلاف نيجيري

من العودة إلى

بلادهم من خلال

برنامج للعودة إلى

الوطن ويحصل كل

عائد على هاتف

ووجبة، وما يعادل

112 دولاراً للوصول

إلى دياره. وبمجرد

استقرارهم يمكنهم

التقدم للحصول على

تدريب في العمل

ومنح للأعمال

التجارية الصغيرة.

طباعة